كل الدنيا فانية

منتدى روحي اجتماعي فني رياضي اعلامي ومعلوماتي


    سلسلة تأملية عن المصلوب والفداء في البالتوك

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 326
    تاريخ التسجيل : 23/03/2009
    العمر : 62

    سلسلة تأملية عن المصلوب والفداء في البالتوك

    مُساهمة  Admin في الأحد مارس 07, 2010 3:44 pm

    أخواتي وإخوتي الأحباء

    سلام ونعمة من الرب يسوع

    استعداداً لأسبوع الآلام والجمعة العظيمة وعيد القيامة المجيدة سوف أقدم سلسلة تأملية عن المصلوب والفداء في البالتوك

    وذلك كل يوم ثلاثاء الساعة 11 مساء بتوقيت مصر في غرفة :

    Jesus for All

    تتضمن السلسلة ما يلي :

    لماذا تجسد المسيح ؟
    23/02/2010

    http://www.ooojesusforallooo.com/ooo/index.php?option=com_wrapper&view=wrapper&Itemid=59

    نبوات عن موت وقيامة المسيح
    02/03/2010

    http://www.ooojesusforallooo.com/ooo/index.php?option=com_wrapper&view=wrapper&Itemid=59

    الخطية
    09/03/2010

    http://www.ooojesusforallooo.com/ooo/index.php?option=com_wrapper&view=wrapper&Itemid=59

    الطرق البشرية للحصول على الغفران
    16/03/2010

    http://www.ooojesusforallooo.com/ooo/index.php?option=com_wrapper&view=wrapper&Itemid=59

    الفداء أو الطريق الالهي للغفران
    23/03/2010

    http://www.ooojesusforallooo.com/ooo/index.php?option=com_wrapper&view=wrapper&Itemid=59

    تفرد لله بالقدرة على الفداء الحقيقي
    30/03/2010

    http://www.ooojesusforallooo.com/ooo/index.php?option=com_wrapper&view=wrapper&Itemid=59

    أرجو مشاركتكم في هذه السلسلة علماً أنه سوف يعقب كل جلسة مناقشة مفتوحة.

    إنني محتاج لصلواتكم وتشجيعكم والرب يبارك كنيسته في كل مكان.

    Admin



    عدل سابقا من قبل Admin في الجمعة مايو 07, 2010 3:40 pm عدل 1 مرات
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 326
    تاريخ التسجيل : 23/03/2009
    العمر : 62

    رد: سلسلة تأملية عن المصلوب والفداء في البالتوك

    مُساهمة  Admin في الخميس مارس 11, 2010 5:10 pm

    الجلسة الثالثة من السلسلة التأملية عن المصلوب والفداء - الخـطيــــة

    1- ما هي الخطية ؟

    اختلف الناس في أمر الخطية لاختلاف أفكارهم وميولهم، فلكي نتحقق من ماهيتها، دعنا نفكر على سبيل المثال في العبارة المألوفة «أخطأ الهدف»ومعناها: «لم يُصِبْ الهدف أو انحرف عنه»- فمن هذه العبارة يتَّضح لنا أن الخطية ليست هي الشر الشنيع فحسب كما يظن بعض الناس، بل إنها أيضاً الانحراف عن حق اللّه بوصفه القاعدة التي وضعها لسلوكنا في العالم الحاضر. ولما كان حق اللّه ينهى عن الشر ويأمر بالخير، لذلك فالخطية لا تكون بالانحراف إلى الشر فحسب، بل وبالانحراف عن الخير أيضاً.
    ومن ثمَّ فالحكم على تصرفاتنا لا يكون لشعورنا أو ضمائرنا، كما يقول بعض الناس، بل لكلمة اللّه دون سواها، لأن هذه ثابتة راسخة إلى الأبد.

    أ‌- الانحراف إلى الشر:

    إن الخطية هي مجرد الانحراف الباطني إلى الشر، قال الوحي أيضاً: «فِكْرُ ٱلْحَمَاقَةِ خَطِيَّةٌ»(أمثال 24: 9). و «كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفسٍ»(1 يوحنا 3: 15). و «كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى ٱمْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ»(متى 5: 28). و «مَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِب نَارِ جَهَنَّمَ»(متى 5: 22). و «كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا ٱلنَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ ٱلدِّينِ»(متى 12: 36 )كما نهانا عن الكذب والسُّكر والغضب، والمرارة والرياء والحسد، والربا والسحر والطمع (أفسس 4: 25 - 31 ، 5: 4 ، 5 و1 بطرس 2: 1 ومزمور 15: 5 ورؤيا 21: 8 ). حتى نكون قديسين كما أنه تعالى قدوس (1 بطرس 1: 15 و16) ، إذ بدون القداسة، لن يرى أحد الرب (عبرانيين 12: 14).
    وقد عرف الأنبياء شر الخطايا الباطنية، ولذلك صرخ مرة أحدهم للّه قائلاً: «مِنَ ٱلْخَطَايَا ٱلْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي»(مزمور 19: 12). كما قال له: «ٱخْتَبِرْنِي يَا اَللّٰه وَ ٱعْرِفْ قَلْبِي. ٱمْتَحِنِّي وَ ٱعْرِفْ أَفْكَارِي. وَ ٱنْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَ ٱهْدِنِي طَرِيقاً أَبَدِيّاً»(مزمور 139: 23 ، 24) لأن الإِنسان قد يجهل أفكار الشر التي تجول في نفسه أو لا يحسب لها حسابا، وتكون النتيجة النهائية أنه يرى نفسه دون أن يدري، بعيداً عن اللّه بعداً عظيماً.

    ب‌- الانحراف عن الخير: وهو يشمل الأمور التالية:

    • التقصير في عمل الخير:

    «مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَناً وَلا يَعْمَلُ، فَذٰلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ»(يعقوب 4: 17). كما قال «لِنَعْمَلِ ٱلْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ» (غلاطية 6: 10).

    • القيام بأعمال الخير لأغراض شخصية:

    قال الوحي: «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى ٱلأَشرَارِ وَٱلصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى ٱلأَبْرَارِ وَ ٱلظَّالِمِينَ»(متى 5: 43-45 ، لوقا 6: 35).
    فضلاً عن ذلك، سجل لنا أن المسيح سيخاطب المتظاهرين بخدمته، الذين سينادونه في اليوم الأخير قائلين «يَا رَبُّ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ بِٱسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِٱسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ؟»بالرد الحازم القاطع «إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! ٱذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي ٱلإِثمِ»(متى 7: 22 ، 23).

    • حصر اهتمام النفس في العالم الحاضر:

    إنَّ السعي وراء العيش وتحصيل المال اللازم لنا في هذا العالم، أمر واجب طالما نحن نحيا فيه. لكن إذا طغى هذا السعي على النفس وصرفها عن الصلة باللّه والتوافق معه، كان ذلك دليلاً على انحرافها عنه،أو بالحري على عدم ثقتها فيه وتقديرها لفضله عليها، فيكون السعي المذكور خطية أيضاً «أَنَّ مَحَبَّةَ ٱلْعَالَمِ (أو بالحري الانصراف إليه) عَدَاوَةٌ لِلّٰهِ» (يعقوب 4: 4)، «لأَنَّ كُلَّ مَا فِي ٱلْعَالَمِ شَهْوَةَ ٱلْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ ٱلْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ ٱلْمَعِيشَة» (1 يوحنا 2: 16).

    ج- مستوانا الروحي في ضوء اللّه:

    الخاطي (في نظر اللّه) ليس من يعمل خطايا كثيرة فحسب، بل ومن يعمل أيضاً خطية واحدة، سواء كانت بالفكر أم القول أم الفعل ، فقد قال الوحي: «لأَنْ من حَفِظَ كُلَّ ٱلنَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فقَدْ صَارَ مُجْرِماً فِي ٱلْكُلِّ. لأَنَّ ٱلَّذِي قَالَ: «لا تَزْنِ»قَالَ أَيْضاً: «لا تَقْتُلْ». فَإِنْ لَمْ تَزْنِ وَلٰكِنْ قَتَلْتَ، فَقَدْ صِرْتَ مُتَعَدِّياً ٱلنَّامُوسَ» (يعقوب 2: 10، 11). ولذلك لأجل خطية واحدة طرح اللّه بعض الملائكة من السماء (2 بطرس 2: 4)، ولأجل خطية واحدة طُرد آدم وحواء من جنة عدن (تكوين 3: 24)، ولأجل خطية واحدة حُرم موسى النبي من دخول أرض كنعان (تثنية 32: 52)، ولأجل خطية واحدة أمات اللّه حنانيا وسفيرة في الحال (أعمال 5: 1 - 11).
    وقد أدرك أتباع سقراط هذه الحقيقة فقالوا: «الإِنسان إما أن يكون فاضلاً إلى النهاية أو لا يكون. هو كالخط، إما أن يكون مستقيماً، أو غير مستقيم، ولا وسط بين الاثنين».
    تُحسب الخطية (في نظر اللّه) خطية، ليس فقط إذا كان فاعلها يشعر بها، بل وإذا كان لا يشعر بها، فقد قال الوحي: «السهوات من يشعر بها ... » (مز 19: 12).
    ولذلك قال الوحي عن الإِنسان عامة «أَنَّ كُلَّ تَصَّوُرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّير كُلَّ يَوْمٍ»(تكوين 6: 5)، وإن قلبه، الذي هو موطن الشعور والعواطف فيه أخدع من كل شيء وهو نجيس (إرميا 17: 9)، وإن «مِنْ قُلُوبِ ٱلنَّاسِ، تَخْرُجُ ٱلأَفْكَارُ ٱلشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرقَةٌ... تَجْدِيفٌ»(مرقس 7: 21 ، 22) و «كُلُّ ٱلرَّأْسِ مَرِيضٌ وَكُلُّ ٱلْقَلْبِ سَقِيمٌ. مِنْ أَسْفَلِ ٱلْقَدَمِ إِلَى ٱلرَّأْسِ لَيْسَ فِيهِ صِحَّةٌ، بَلْ جُرْحٌ وَأَحْبَاطٌ (الاحباط هي الجروح التي تنشأ من السحق، والمراد بها هنا الخطية التي تدمّر نفوس البشر وتسحقها) وَضَرْبَةٌ طَرِيَّةٌ لَمْ تُعْصَرْ وَلَمْ تُعْصَبْ وَلَمْ تُلَيَّنْ بِٱلّزَيْتِ»(إشعياء 1: 5 ، 6)، أي أن الخطية ضربت أطنابها في الإِنسان حتى أفسدت كيانه كله. ولقد أدرك فولتير شيئاً من هذه الحقيقة، فقال: «كلما رسمت لنفسي صورة الإِنسان خُيّل إليَّ أنه شيطان».

    2- تسرُّب الخطية إلى البشر عامة

    أ‌- الحالة التي يولد بها البشر

    الإِنسان يولد وبه ميل إلى الخطية، وهذا الميل وإن كان لا يبدو بوضوح في الصغر، غير أنه يأخذ في الظهور كلما شبَّ الإِنسان ونما. وهو مثل السم الكامن في الثعبان، فإنه لا يَرِد إليه من الخارج، بل أن الثعبان يولد وفي جسمه استعداد لتكوينه. وكل ما في الأمر، أن هذا السم لا يظهر بنتائجه المميتة، إلا إذا بلغ الثعبان سناً معينة.

    ب‌- سبب ولادة الإِنسان بطبيعة تميل إلى الخطية:

    بناءً على قانون الوراثة لا يمكن لكائن أن يلد آخر مغايراً له، كما يقول علماء الأحياء وعلى رأسهم ماندل. فالخنزيرة لا يمكن أن تلد حملاً، والشوك لا يمكن أن ينتج عنباً. وبما أن آدم الذي ولد منه البشر جميعاً كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة التي خلقه اللّه عليها وأصبح خاطئاً قبل أن ينجب نسلاً، كان أمراً بديهياً أن يولد أبناؤه جميعاً خطاة بطبيعتهم نظيره، ولذلك قال الوحي: «بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ ٱلْخَطِيَّةُ إِلَى ٱلْعَالَمِ»(رومية 5: 12 - 21). وشهد داود النبي بهذه الحقيقة فقال عن نفسه: «هَاءَنَذَا بِٱلإِثْمِ صُّوِرتُ وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي» (مزمور 51: 5). وقد أدرك هذه الحقيقة كثير من الفلاسفة والعلماء، فقال هكسلي وكانْت: «هناك أصل للشر في الطبيعة البشرية، مما يدل على أن قصة سقوط آدم في الخطية صحيحة».

    ج‌- نتائج ولادة البشر بالخطية:

    بما أن الخطية تسربت وتتسرب إلى البشر بالوراثة، وبما أن قانون الوراثة قانون عام تخضع له جميع الكائنات الحية، لذلك كان أمراً بديهياً بعد أن تسربت الخطية إلى البشر، أن يصيروا جميعاً خطاة بأفعالهم كما ولدوا خطاة بطبيعتهم. ولذلك قال الوحي: «لَيْسَ بَارٌّ وَلا وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ.(فهماً روحياً) لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ ٱللّٰهَ. ٱلْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْملُ صَلاحاً لَيْسَ وَلا وَاحِدٌ»(رومية 3: 10 - 12). كما قال: «لأَنَّهُ لا فَرْقَ. إِذِ ٱلْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ ٱللّٰهِ»(رومية 3: 22 ، 23)، ولذلك قال داود النبي للّه: «لا تَدْخُلْ فِي ٱلْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ» (مزمور 143: 2). وقد اعتاد الناس أن يفرقوا بين إنسان وآخر، فيقولون مثلاً: إنَ هذا الإنسان أفضل من ذاك. لكن ليس هذا هو الحال في نظر اللّه، لأنه ليس هناك واحد من البشر لم يفعل خطية واحدة في حياته، ومن يفعل خطية واحدة، يكون خاطئاً لا باراً.

    3- تأثير الخطية بالنسبة للّه

    أ‌- أسباب تأثيرها بالنسبة إلى اللّه:

    يعتقد بعض الناس أن الخطية إذا كانت بين الإِنسان وبين نفسه، انحصر تأثيرها فيه وحده، وإذا كانت بينه وبين إنسان غيره، انحصر تأثيرها فيهما، لأن اللّه بسبب روحانيته المطلقة هو أرفع من أن يتأثر (كما يقولون) بأي مؤثر خارجي - لكن هذا الاعتقاد لا نصيب له من الصواب.
    لأن كل خطية نرتكبها ضد أنفسنا أو ضد غيرنا من الناس، تكون موجهة ضد اللّه أولاً كما ذكرنا. ولذلك عندما أخطأ داود النبي ضد أوريا وامرأته قال للّه: «إِلَيْكَ وَحْدَك أَخْطَأْتُ وَ ٱلشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ»(مزمور 51: 4). كما أن يوسف الصديق عندما أبى أن يلبي الرغبة الآثمة التي عرضتها عليه امرأة فوطيفار، قال لها: «كَيْفَ أَصْنَعُ هٰذَا ٱلشَّرَّ ٱلْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى ٱللّٰهِ؟!»(تكوين 39: 9).

    ب‌- مدى الإِساءة التي نوجّهها إلى اللّه بسبب الخطية:

    وإن كنا لا نستطيع تحديد هذه الإِساءة بسبب سمو اللّه عن إدراكنا سمواً لا حد له، لكن نعلم أنه بارتكاب الخطية
    (أ) نحُول بين اللّه وبين الصلة الروحية الطيبة التي يريدها أن تكون بينه وبيننا، لأنه لم يخلقنا على صورته كشبهه إلا لتكون لنا هذه الصلة به.
    (ب) ننكر فضله علينا ونستهين بعواطفه الكريمة من نحونا.
    (ج) نرفض شريعته ونكسر ناموسه، وبذلك نتمرد عليه ونهينه في أرضه وعلى مرأى منه.

    4- تأثير الخطية بالنسبة للبشر

    اللّه خلقنا لا لنعيش بمعزل عنه، بل لكي نعيش في رفقته ومعيّته كما ذكرنا، وبما أن كل كائن يبتعد عن المجال الذي خُلق للعيش فيه، لا يمكن أن يهنأ أو يستريح، إذاً كان أمراً بديهياً أن كل من يبتعد عن اللّه يتعرض للتعب والشقاء. وقد أشار اللّه إلى هذه الحقيقة فقال: «وَمَنْ يُخْطِئُ عَنِّي يَضُرُّ نَفْسَهُ»(أمثال 8: 36)، والأضرار التي يتعرض لها الإنسان في العالم الحاضر بسبب الخطية ثلاثة أنواع: أضرار نفسية، وأضرار أدبية، وأضرار مادية:

    1 - الأضرار النفسية:

    من يركض وراء الخطية، يحيا حياة القلق وعدم الاستقرار، كما يتعرض أحياناً للأمراض النفسية التي يتعذر شفاؤها، لأنه لا يجد في نهاية جهاده على الأرض هدفاً ثابتاً أمامه، أو رجاء منيراً قدامه. وإذا لم يتعرض لهذه الأمراض، فإنه يحصر غايته في ثروة لا يلبث أن يتركها أو تتركه. أو في لذة (أو بالحري نشوة) سرعان ما يهجرها أو تهجره. لذلك قال الوحي عن الخطية إنها تحني النفس (مزمور: 25 44) وتملأها بالذل والهوان (مزمور 123: 4)، وتحرمها من الراحة والسلام (إشعياء 48: 22)، وتسلبها الوعي الروحي فتصبح أحط من نفس الحيوان (إشعياء 1: 3).

    2- الأضرار الأدبية:

    ولوجود الطبيعة الخاطئة في الإنسان، يصبح (إذا لم يتلقَّ حياة روحية من اللّه) عاجزاً عن الارتقاء فوق خطاياه. فإذا تعهد يوماً بالإقلاع عنها، وبذل جهده في سبيل تنفيذ تعهده هذا، سرعان ما يُغلب على أمره. فإن لم يفعل الخطية في الظاهر، قد يفكر فيها ويشتهيها في الباطن، ومن ثم يعود من حيث أتى. وأول من شعر بهذه الحالة المريرة هو آدم وحواء، فعندما أخطأا، فقدا الصلة الروحية باللّه كما أحسا بأنهما لا يستطيعان العودة إلى حالة البراءة التي كانا يتمتعان بها من قبل - تكوين3: 8 وهذا العجز وذاك الفقدان يُعبَّر عنهما بالموت الأدبي، الذي هو أشر موت لمن يقدّر أهمية التوافق مع اللّه حق التقدير.

    3- الأضرار المادية:

    • وبسبب الخطية كم من قويٍّ تهدمت صحته، وشاب في مقتبَل العمر ذبلت نضارته، ومثقف كان يزدان به المجتمع فقَدَ مكانته! وكم من غني أصبح فقيراً وعظيم أضحى حقيراً، ومحترم أمسى مهاناً ذليلاً. وبسبب الخطية كم من خصام دبَّ بين العائلات راح ضحيته كثير من الأبرياء.
    لذلك قال الوحي إن الأهواء التي تجيش في نفوس الناس، هي السبب في قيام الحروب والخصومات بينهم (يعقوب 4: 1)، وإنه بسبب امرأة زانية يفتقر الإنسان إلى رغيف خبز (أمثال 6: 26)، وإنه بسبب الخمر يحل الشقاء والكرب (أمثال 23: 29 و30) وإن الخطية بصفة عامة تمنع الخير عن الناس (إرميا 5: 25)، وتجلب عليهم العار (أمثال 14: 34)، وتسبب لهم العلل والأمراض (تثنية 28: 22).
    • وليت الأمر يقف عند هذا الحد، لأن الموت الجسدي الذي نرتعد لذكره وتتحطم عنده آمالنا وأمانينا، ويورثنا الكثير من الحزن والأسى، ليس إلا النتيجة الختامية للخطية في العالم الحاضر. فقد قال اللّه لآدم عن الشجرة المنهيّ عنها: «لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ»(تكوين 2: 17)، كما قال له بعد الأكل منها: «لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ»(تكوين 3: 19).

    5- الخطية والآلام الذاتية الأبدية

    آ- تأثير حضرة اللّه:

    معظم الذين يفعلون الخطية في الزمن الحاضر لا يدركون شناعتها أو خطورتها، ولذلك لا يحسبون لها حساباً. غير أن موقفهم هذا سوف لا يدوم طويلاً، لأنه سيأتي يوم - ولا بد أن يأتي - فيه يرون أنفسهم وجهاً لوجه أمام اللّه الذي كانوا يسيئون إليه ويتجاهلون حقوقه، وحينئذ يدركون أن خطاياهم شنيعة وخطيرة بدرجة لم تكن تخطر لهم ببال، فيرتعبون رعباً ليس بعده رعب، ويفزعون فزعاً ليس بعده فزع. فقد ذكر الوحي أن بيلشاصر الملك (أحد ملوك بابل القدامى، وكان قد أهان في كبريائه اللّه جل شأنه إهانة بالغة) عندما شعر بقضاء اللّه يهبط عليه «حِينَئِذٍ تَغَيَّرَتْ هَيْئَةُ ٱلْمَلِكِ وَأَفْزَعَتْهُ أَفْكَارُهُ وَ ٱنْحَلَّتْ خَرَزُ حَقَوَيْهِ وَ ٱصْطَكَّتْ رُكْبَتَاهُ»(دانيال 5: 6)، كما ذكر أن الملوك والعظماء (الذين سيكونون أحياء على الأرض عند ظهور الرب للدينونة)، سوف يخفون أنفسهم في الكهوف والشقوق، «وَهُمْ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ وَٱلصُّخُورِ: ٱسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْه ٱلْجَالِسِ عَلَى ٱلْعَرْشِ» ( رؤيا 6 : 16) لكن لن تسمع الجبال لندائهم ولن تستجيب الصخور لصراخهم، إذ ليس هناك شيء في الوجود يستطيع أن يحجبهم عن اللّه، فيظلون في رعب ليست له نهاية.

    ب - تأثير الضمير:

    كلنا يعلم أن الضمير أُودع فينا ليهدينا سواء السبيل، وذلك بالتأنيب على فعل الشر والتشجيع على فعل الخير. وبما أن الذين يرتكبون الخطية في العالم الحاضر، كثيراً ما يلتمسون الأعذار لأنفسهم، فيخدّرون ضمائرهم ويُخمدون صوتها. وبما أنه ليس في عالم الروح مجال لتخدير الضمير وإخماد صوته، لذلك فالضمائر النائمة الآن، لا بد أن تستيقظ في الأبدية، وهناك سيرى الخطاة بطلان الأمور الدنيوية التي كانوا يفنون فيها صحتهم ويضيّعون فيها ثرواتهم ووقتهم، فيندمون ويتحسرون، ويكتشفون خيبتهم في تضليل أنفسهم بالتماس الأعذار الواهية، فينوحون ويتوجعون، ثم يقدّرون إحسان اللّه الذي كان يتهاطل عليهم دون أن يعبأوا به، فيبكون ويولولون إلى أبد الآبدين، لأنه ليس هناك من يرحمهم أو يشفق عليهم.

    ج - الوحشة في الأبدية:

    وبما أنه لا يوجد في عالم الروح أثر للشهوات التي يلهو بها الناس في دنياهم، أو العلاقات التي يجدون فيها سلواناً لأنفسهم، أو الأعمال التي تشغل أفكارهم وتصوراتهم، لأن عالم الروح لا تأثير فيه لغير اللّه. لذلك فالأشرار سوف يشعرون بوحشة لا نظير لها، إذ لن تكون لهم علاقة، ليس مع اللّه أو قديسيه فحسب، بل ولا مع الأشرار الذين كانوا على شاكلتهم في العالم الحاضر أيضاً، فلا يكون هناك من يواسي الخطاة ويعزيهم، أو يُنسيهم همومهم وآلامهم، أو يهوّن عليهم مصابهم.

    د - القصور الذاتي:

    إن الطبيعة البشرية المنحرفة عن اللّه، لا تتغير على الإِطلاق مهما نال المرء الكثير من التهذيب والتعليم، كما ذكرنا في الفصل الثاني. ولذلك فالذين لم يحصلوا في العالم الحاضر على طبيعة روحية من اللّه تؤهلهم للتوافق معه في صفاته الأدبية السامية، سوف يجدون أنفسهم في الأبدية عاجزين أيضاً عن هذا التوافق مهما بذلوا في سبيله من جهد. وقد أدرك هذه الحقيقة كثير من العلماء، فقال صموئيل جونسون: «إن الحالة التي تسود علينا في العالم الحاضر، ستظل سائدة علينا في العالم الآخر» .
    فلو فرضنا أن الخطاة استطاعوا أن يفلتوا من مصيرهم المرعب، وينطلقوا ليسترضوا اللّه ويدخلوا في علاقة جديدة معه، لا يمكن أن يظلوا في حضرته لحظة واحدة، فيركضون على أعقابهم متباعدين عنه، هذا هو القصور الذاتي الذي يحول بين الخطاة وبين تغيير سلوكهم في الأبدية، ويقطع من أمامهم كل أمل في النجاة من الشر الذي تشكلوا به في دنياهم، ويورثهم آلاماً مريعة تحزّ في نفوسهم. وقد أشار الوحي إلى هذه الآلام فقال عن الخطاة إن نصيبهم في الأبدية هو البكاء وصرير الأسنان (متى 8: 12) البكاء بسبب شدة الألم، وصرير الأسنان بسبب شدة الندم.

    6- الخطية والعقوبة الإلهية الأبدية

    أ‌- عدالة العقوبة الإِلهية:

    إنَّ شعور الخطاة في الأبدية بالآلام الذاتية المتعددة التي ذكرناها سابقاً، لا يعفيهم من توقيع القصاص الإِلهي عليهم بسبب خطاياهم. ولا غرابة في ذلك، فشعور المجرمين بالحسرة والندم بعد القبض عليهم لا يعفيهم من توقيع القصاص القانوني عليهم. فالخطاة لا بد أن ينالوا من اللّه عقاباً عن خطاياهم، كبيرها وصغيرها، حتى إن كانوا قد نالوا قصاصاً عنها في دنياهم بواسطة المحاكم الأرضية، لأن عقاب هذه المحاكم ليس عن الإِساءة إلى اللّه، بل عن الإساءة إلى المجتمع الذي يعيش فيه الناس.

    ب‌- مدى العقوبة الإلهية:

    بما أن قصاص الإساءة يتناسب طردياً مع مكانة الشخص المُسَاء إليه. فإذا وقعت إهانة على شخص قليل الشأن كخادم صغير في منزل، كان قصاصها لا يُذكر، وكان تعويضها (إن كان لا بد من تعويض) ضئيلاً. أما إذا وقعت الإهان على شخص عظيم القدر كملك أو حاكم، كانت جريمة شنيعة تستحق عقاباً جسيماً لا مجال للتعويض فيه بحال. وبما أن الخطية هي إهانة للّه الذي لا نهاية لمجده ولا حدّ لسموّه، إذاً فالعقوبة المستحقَّة عنها هي عقوبة لا نهاية لها. ولذلك لا عجب إذا كان اللّه قد قال لآدم إنه يوم يأكل من الشجرة التي نهاه عنها «مَوْتاً تَمُوتُ»(تكوين 2: 17). ومن مواضع كثيرة في الكتاب المقدس يتضح لنا أن الله قصد بهذا الموت المؤكد، الموت بأنواعه الثلاثة، أي الأدبي والجسدي والأبدي. وقد تحدثنا فيما سلف عن النوعين الأوَّليْن من هذا الموت، ومن ثم نحصر الحديث هنا عن الموت الأبدي.
    إن الموت الأبدي هو المعبَّر عنه في الكتاب المقدس بالموت الثاني،أو العذاب الأبدي (رؤيا 20: 14)، وهو قصاص لا نهاية لمدته، لأن الخطية جريمة ضد اللّه الذي لا نهاية لمجده، ولا حد لسمّوه. لذلك قال الوحي عن الأشرار إن نصيبهم هو « ٱلْبُحَيْرَةِ ٱلْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، ٱلَّذِي هُوَ ٱلْمَوْتُ ٱلثَّانِي»(رؤيا 21: 8 ). وهذه البحيرة هي جهنم التي لا تُطفأ نارها ولا يموت دودها (مرقس 9: 44). والنار هنا ليست طبعاً ناراً مادية، لأن المادة (بالمعنى المعروف لدينا) هي من خصائص الأرض وغيرها من الأَجرام. ومع ذلك فمن المؤكد أن تأثيرها سيكون للأسباب السابق ذكرها، أشد من تأثير النار المادية بنسبة لا حدّ لها، لأن الفرق بين الاثنين هو في الواقع الفرق بين الحقيقة والصورة الخاصة بها، وهذا الفرق شاسع للغاية. كما أن الدود الوارد ذكره مع جهنم ليس دوداً بالمعنى الحرفي، إذ أن المراد به وخزات الضمير وتأنيباته اللاذعة، التي تحدثنا عنها سابقاً.

    • مذكرة توضيحية عن جهنم:

    يقول بعض الشراح إن كلمة «جهنم»مشتقة من كلمة «جي هنوم»أو «وادي هنوم»الذي كانت تُحرق فيه الضحايا البشرية كل يوم قرباناً للوثن مولك (2 ملوك 23: 10)، وكان من لا تصيبه النار من هذه الضحايا، يصبح مسرحاً للدود. فاتخذ الوحي اسم جي هنوم الذي يعرفه الناس وأطلقه على مكان عذاب الأشرار الأبدي الذي لا يعرفونه. وجهنم ليست هي الهاوية، لأن الهاوية بقسميها هي المكان العام الذي تنطلق إليه الأرواح بعد خروجها من أجسادها. والقسم الأول خاص بأرواح الذين لهم علاقة حقيقية مع اللّه، ويدعى «الفردوس»(لوقا 23: 43)، والقسم الثاني خاص بأرواح الذين ليست لهم مثل هذه العلاقة معه، ويدعى «السجن»(1 بطرس 3: 19). ولا شك أن الذين يدخلون السجن بأرواحهم وأجسادهم معاً، يتألمون قبل نزول هذا العذاب بهم. أما الذين يدخلون الفردوس بأرواحهم فيشعرون بشيء من السعادة الأبدية التي تنتظرهم عند قيامة أجسادهم من بين الأموات، فيفرحون قبل قيامتهم بها.

    ج‌- الأساس الذي توقع عليه العقوبة:

    بما أن من يرتكب خطية صغيرة في نظرنا، يتعدى على شريعة اللّه ويحرم نفسه من التوافق معه، شأنه في ذلك شأن من يرتكب خطية كبيرة سواء بسواء. إذاً لا غرابة إذا قال الوحي: «مَنْ قَلَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ»(متى 5: 22)، كما بالقول إن هذه النار بعينها يستحقها «ٱلْخَائِفُونَ وَغَيْرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلرَّجِسُونَ وَٱلْقَاتِلُونَ وَٱلّزُنَاةُ وَٱلسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ ٱلأَوْثَانِ وَجَمِيعُ ٱلْكَذَبَةِ»(رؤيا 21: 8 )، لأن من يقول «يا أحمق»، يكون مجرداً من المحبة للآخرين والعطف عليهم. وشخص مجرد من هاتين الصفتين لا يستطيع التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية، وبالتالي لا يستطيع التمتع به على الإطلاق. وعدم التمتع باللّه أو الحرمان منه، هو جهنم بعينها.
    ولا يُراد بغير المؤمنين: المشركون والملحدون فحسب. بل يُراد بهم أيضاً المؤمنون بالاسم. لأن هؤلاء وإن كانوا يعترفون بالمسيح ويقومون بالفرائض أحياناً، غير أنهم لا يستطيعون التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية، مثلهم في ذلك مثل المشركين والملحدين تماماً.

    خاتمة :

    ومع كلٍ هذا فقد استطاعت محبة اللّه ورحمته أن تشقّا لنا طريقاً كريماً يتفق مع قداسته وعدالته، لأجل خلاص الخطاة الراغبين بإخلاص في الرجوع إليه، وذلك بإنقاذهم من عقوبة خطاياهم وتهيئة نفوسهم للتوافق معه في صفاته الأدبية السامية، كما سيتضح بالتفصيل ابتداء من الباب الثالث. إنما نرى من الواجب قبل التحدث عن هذا الطريق الكريم، أن نستعرض أولاً الطرق التي يلجأ إليها معظم الناس ليحصلوا (حسب اعتقادهم) على الغفران والقبول لدى اللّه، لنرى إلى أي حدٍّ تُجدي وتُفيد.

    الرب يبارك حياتكم.

    Admin

    المصدر: فلسفة الغفران ، عوض سمعان - الجزء الأول: لزوم كفارة المسيح.


    عدل سابقا من قبل Admin في السبت يونيو 05, 2010 5:26 am عدل 2 مرات
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 326
    تاريخ التسجيل : 23/03/2009
    العمر : 62

    رد: سلسلة تأملية عن المصلوب والفداء في البالتوك

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مارس 17, 2010 4:02 am

    الجلسة الرابعة من السلسلة التأملية عن المصلوب والفداء

    الطرق البشرية للحصول على الغفران

    يحاول معظم الذين يدركون شناعة خطاياهم أن يسترضوا اللّه بوسائل شتى، حتى (حسب اعتقادهم) يغفرها لهم. وأهم هذه الوسائل هي الصلاة والصوم، والتوبة والصدَقة، والاستشفاع بالقديسين والصالحين، كما ذكرنا في المقدمة. ولكي تتضح لنا قيمة هذه الوسائل بصفة عامة من جهة جواز الحصول على الغفران بها نقول: لنفرض أنه عندما حُكم على إنسان بالإعدام لقتله آخر عمداً، أخذ يستعطف القاضي ويتذلل أمامه، أو أنه امتنع عن الطعام والشراب أمدا طويلاً، أو أنه تعهد بكل إخلاص أن لا يرتكب جريمة أخرى، أو أنه وهب كل أمواله للفقراء والمساكين، أو أنه التجأ إلى ذوي الشأن ليقوموا له بدور الوساطة والشفاعة أو... أو... فهل تعتبر هذه التصرفات أمام نزاهة العدالة المطلقة، أسباباً كافية لتبرئة الإنسان المذكور، أو حيثيات قانونية لإِلغاء أو تخفيف حكم الإِعدام الصادر ضده؟ طبعاً لا، لأن التصرفات المذكورة لا تستطيع أن تعيد إلى قوانين الدولة كرامتها بالدرجة التي تصبح معها كأنه لم يُعتَدَ عليها، ولا أن تعيد الحياة إلى القتيل حتى نهض من موته حياً. ولذلك لا يمكن تبرئة هذا القاتل أو تخفيف الحكم الصادر ضده، بل يجب تطبيقه عليه كما هو، تنفيذاً لمطالب العدالة، وانتقاماً لروح القتيل أيضاً.

    وعلى هذا النسق تماماً نقول: بما أن الخاطئ لم يُفسِد فقط نفسه التي ائتمنه اللّه عليها، بل تعدّى أيضاً على شريعته تعالى، إن لم يكن قد أساء كذلك إلى بعض الناس. وبما أن صلواته مهما طالت، وأصوامه مهما كثرت، وصدقاته مهما عظمت، وتوبته مما صدقت، وشفاعة القديسين والصالحين (إن كانت لهم شفاعة)، لا تستطيع أن تفي مطالب قداسة اللّه وعدالته. لأن هذه الأعمال:

    (1) لا تستطيع أن تعيد إلى الخاطئ حياة الاستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطية، حتى يتيسَّر له التوافق مع اللّه في قداسته وغيرها من الصفات الأدبية السامية.

    (2) لا تستطيع أن تُعيد إلى عدالة اللّه كرامتها بالدرجة التي تصبح معها كأنه لم يُعتَدَ عليها، حتى تعتبر الأعمال المذكورة تعويضاً مناسباً لحقوقها لأن عدالة اللّه لا حدّ لقدرها، بينما الأعمال المذكورة محدودة في قدرها. والأمور المحدودة في قدرها لا تفي مطالب أمر لا حدَّ لقدره.
    إذاً فكل الأعمال الصالحة التي يعملها الخاطئ، وإن كانت لها قيمتها وقدرها من نواح خاصة (كما سيتضح فيما يلي)، غير أنها ليست كافية لتأهيله للوجود مع اللّه أو التمتع بصفحه. ولا مجال للاعتراض على ذلك، إذ أن اللّه بقدر ما هو رحيم رؤوف هو عادل وقدوس، لأنه تعالى كامل كل الكمال من جهة كل صفة من صفاته. فلا يمكن أن يغفر إلا إذا وُفِّيت مطالب عدالته، ولا يقرِّب أحداً إليه إلا إذا قدر أن يتوافق مع قداسته، ويرها من الصفات الأدبية السامية.

    ولكي لا ندع مجالاً للشك أمام أحد من جهة هذا الحق الإِلهي، ندرس كلاً من وسائل الغفران البشرية بشيء من التفصيل :

    1- الصلاة وعلاقتها بالغفران

    أ‌- ماهية الصلاة والغرض الحقيقي منها:

    الصلاة في المفهوم المسيحي ليست مجرد ترديد كلمات الحمد والتعظيم للّه بما يصاحبها من وقوف وركوع، أو مجرد توسلات للحصول على الصفح والغفران بما يرافقها من رفع الأيدي وخفضها، كما يظن بعض الناس. وإننا لا ننتقد السجود أو رفع الأيدي عند الصلاة، لأن الكتاب المقدس علّمنا هذا وذاك :
    وَلكِنْ لَمَّا اسْتَكْمَلْنَا الأَيَّامَ خَرَجْنَا ذَاهِبِينَ، وَهُمْ جَمِيعًا يُشَيِّعُونَنَا، مَعَ النِّسَاءِ وَالأَوْلاَدِ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ. فَجَثَوْنَا عَلَى رُكَبِنَا عَلَى الشَّاطِئِ وَصَلَّيْنَا. (أعمال 21: 5)
    وَكَانَتِ الْحَيَوَانَاتُ الأَرْبَعَةُ تَقُولُ:«آمِينَ». وَالشُّيُوخُ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ خَرُّوا وَسَجَدُوا لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. . (رؤيا 5: 14)
    فَأُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، رَافِعِينَ أَيَادِيَ طَاهِرَةً، بِدُونِ غَضَبٍ وَلاَ جِدَال. (1 تيموثاوس 2: 8 )
    بل ننبه إلى أن هاتين الحركتين لا تجعلان للصلاة قيمة ما، إذا كان القائم بهما غير حائز على رضى اللّه.
    فالصلاة قبل كل شيء هي الارتقاء بنفوسنا عن كل ما يتعلق بالعالم حتى نلتقي باللّه في أقداسه، ونحن في حالة التوافق معه في صفاته السامية. وفي هذا الجو السامي يمكن أن ندرك شيئاً من جلال اللّه ومحبته، فنتعبد له ونشكره من كل قلوبنا:
    اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا». (يوحنا 4: 24)
    كما يمكن أن نعرف الأمور التي نحتاج فعلاً إليها، فنطلب منها ما يتفق مع مشيئته
    وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا. (1 يوحنا 5: 14)
    ونتقبل منه بعد ذلك بالإِيمان إجابته الكريمة. فضلاً عن ذلك، يمكننا أن نعرف في هذا الجو، الخدمات التي يتطلبها اللّه منا في العالم الحاضر، ونقبل منه المعونة التي تساعدنا على القيام بها بكل دقة وإِخلاص.
    فالصلاة ليست فرضاً نقوم به كما يقوم العبد بواجب نحو سيده، بل هي صلة متبادلة بيننا وبين اللّه جل جلاله، لا نستطيع الاستغناء عنها لحظة، فنحن في حاجة إليها حاجتنا إلى الماء للارتواء أو الهواء للتنفس. ولم يعيّن اللّه لنا أوقاتاً محددة يجب علينا أن نصلي فيها، وذلك لثلاثة أسباب:

    (أ) ليس هناك وقت أفضل من آخر لديه
    (ب) إنه على استعداد في كل الأوقات لسماع الصلاة
    (ج) إن حاجتنا إلى اللّه ليست مرتبطة بأوقات خاصة، بل نحن في حاجة إليه في كل حين.

    لذلك وإن كنا نصلي في أوقات متفرقة من النهار، يجب أن نحفظ قلوبنا في حالة الصلة المستمرة باللّه. فقد قال الوحي: «مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي ٱلرُّوحِ»(أفسس 6: 18). كما قال «لا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللّٰهِ»(فيلبي 4: 6). وقال «صلوا كل حين»(لوقا 18: 1)، وصلوا بلا انقطاع (1تسالونيكي 5 : 17) ولأجل جميع الناس "فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ، أَنْ تُقَامَ طَلِبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ، لأَجْلِ الْمُلُوكِ وَجَمِيعِ الَّذِينَ هُمْ فِي مَنْصِبٍ، لِكَيْ نَقْضِيَ حَيَاةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً فِي كُلِّ تَقْوَى وَوَقَارٍ" (1 تيموثوس 2: 1).

    ب‌- شروط الصلاة في المسيحية:

    (أ) أن تكون بالروح والحق، بعمل روح اللّه في النفس، وذلك في حدود الحق الإِلهي الصافي بعيداً عن الشعائر والطقوس البشرية وبالذهن أيضاً
    "فَمَا هُوَ إِذًا؟ أُصَلِّي بِالرُّوحِ، وَأُصَلِّي بِالذِّهْنِ أَيْضًا. أُرَتِّلُ بِالرُّوحِ، وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ أَيْضًاً". (1 كورنثوس 14: 15)،
    وذلك مع القداسة القلبية التي تلق باللّه "اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ" (عبرانيين 12: 14) ،
    اَلطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ، وَالنَّقِيُّ الْقَلْبِ، الَّذِي لَمْ يَحْمِلْ نَفْسَهُ إِلَى الْبَاطِلِ، وَلاَ حَلَفَ كَذِبًا. (مزمور 24: 4).
    (ب) أن لا تكون منقولة عن أحد أو محفوظة عن ظهر قلب، بل أن تكون من إنشاء المصلي بتأثير روح اللّه في قلبه.
    فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ. مُتَكَلِّمٌ أَنَا بِإِنْشَائِي لِلْمَلِكِ. لِسَانِي قَلَمُ كَاتِبٍ مَاهِرٍ. (مزمور 45: 1).
    (ج) أن لا تتكرر عباراتها بقصد إطالتها "وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ". (متى 6: 7).
    (د) وإذا كانت الصلاة فردية، يجب أن لا تكون على مرأى من الناس بل في المخدع، إذ هناك يمكن للمصلي أن يختلي باللّه ويناجيه "وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. (متى 6: 5 – 6).

    ج- عجز الخاطئ عن القيام بالصلاة:

    بما أن الخاطئ أساء بخطيته إلى اللّه وكسر شريعته، فإنه يحول بينه وبين مواجهة اللّه والمثول في حضرته، ويصبح في ذاته عاجزاً عن التوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية. ولا غرابة في ذلك، فنحن نعلم ن اختلاف الطبائع يحول دون التوافق. فالدنيء لا يتوافق مع النبيل، والبخيل لا ينسجم مع الكريم، والنجيس لا يتآلف مع القديس، وهلم جراً. لذلك فالخاطئ لا يستطيع أن يتصل من تلقاء ذاته باللّه أو يتحدث معه، ولا يستطيع أن يرفع صلاة حقيقية إليه، وصلاته عبارات ينطق بها أمام من يتصوّر أنه اللّه، فيكون مثله مثل شخص يعيش في عالم الخيال، أو ممثل يؤدي دوراً من الأدوار. وإن شئت، فقُل مثل إنسان يرفع بوق (التليفون) إلى فمه، ودون أن يتصل بأحد ما... فإنه يتكلم ما شاء له الكلام، دون أن يكون هناك سميع أو مجيب.

    2- الصوم وعلاقته بالغفران

    آ- الأغراض التي يصوم الناس من أجلها:

    يصوم كثيرون إما:

    • للتمسك بعقيدة دينية ابتغاء مرضاة اللّه
    • للشعور بالجوع حتى يعطفوا على الفقراء والمساكين
    • للمحافظة على المظاهر الدينية بين إخوانهم
    • لتحسين حالتهم الصحية على نحو ما

    ولذلك قال اللّه للذين يصومون عن الطعام دون أن يُقلِعوا أولاً عن الشر:

    «لَمَّا صُمْتُمْ وَنُحْتُمْ فِي ٱلشَّهْرِ ٱلْخَامِسِ وَٱلشَّهْرِ ٱلسَّابِعِ، وَذَلِكَ هَذِهِ ٱلسَّبْعِينَ سَنَةً، فَهَلْ صُمْتُمْ صَوماً لِي أَنَا؟ وَلَمَّا أَكَلْتُمْ وَلَمَّا شَرِبْتُمْ، أَفَمَا كُنْتُمْ أَنْتُمُ ٱلآكِلِينَ وَأَنْتُمُ ٱلشَّارِبِينَ... ٱقْضُوا قَضَاءَ ٱلْحَقِّ، وَ ٱعْمَلُوا إِحْسَاناً وَرَحْمَةً»(زكريا 7: 5 - 9).
    كما خاطب الذين ينادونه «لماذا صُمنا ولم تنظر، ذلّلنا أنفسنا ولم تلاحظ؟»، بالقول اللاذع «هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً لأنفسكم)، وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ (أجراكم)... أَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْماً يُذَلِّلُ ٱلإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ، يُحْنِي كَٱلأَسَلَةِ رَأْسَهُ، وَيَفْرِشُ تَحْتَهُ مِسْحاً وَرَمَاداً. هَلْ تُسَمِّي هَذَا صَوْماً وَيَوماً مَقْبُولاً لِلرَّبِّ؟ أَلَيْسَ هَذَا صَوْماً أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ ٱلشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ ٱلنِّيرِ (عن المظلومين)، وَإِطْلاقَ ٱلْمَسْحُوقِينَ أَحْرَاراً (الأبرياء)، وقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ ٱلْمَسَاكِينَ ٱلتَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟» (إشعياء 58: 3 - 7).

    ب- ماهية الصوم والغرض الحقيقي منه:

    الصوم لغة ، هو الانقطاع عن شيء ما. وبالرجوع إلى الكتاب المقدس يتضح لنا أنه يراد به ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، أو الشرور والآثام، بل والامتناع لمدة من الزمن أيضاً عن كل ما يشغل المرء عن قضاء مدة طويلة في حضرة اللّه، حتى يتفرغ الصائم تفرغاً تاماً لسكب قلبه أمام اللّه والتضرع بلجاجة إليه في هذه المدة. وذلك إما لأجل النمو في الحياة الروحية، أو خلاص بعض الأشخاص من الخطية، أو إنقاذ آخرين من ضيقة أو بلية، أو غير ذلك من الأمور التي تمجد اللّه وتعود بالخير على الناس. فالصوم إذاً ليس غرضاً مقصوداً لذاته حتى يكون له جزاء خاص، بل هو وسيلة للقيام بالصلاة على أفضل حال. لذلك يقرن الوحي الصوم بالصلاة، فسجَّل عن الرسل أنهم صاموا وصلوا (أعمال 13: 3)، وأن الروح النجس العنيد لا يخرج إلا بالصوم والصلاة (متى 17: 21)، وأن المؤمنين يجب أن يتفرغوا للصوم والصلاة (1 كورنثوس 7: 5 ، عزرا 8: 23 ، نحميا 1: 4 ، دانيال 9: 3 ، يوئيل 2: 12).
    فالصوم في المسيحية مثل الصلاة تماماً، ليس فرضاً بل عملاً حيوياً لا نستطيع الإستغناء عنه.

    ج- شروط الصوم:

    (أ) أن يكون بدافع من رغبتنا الشخصية، لحاجتنا الماسة إلى بركة من اللّه لنا أو لغيرنا من الناس، وليس لمجرد الطاعة لأمر أو وصية. ولذلك لم يحدد الكتاب المقدس أوقاتاً للصوم. وأكثر المؤمنين قرباً من اللّه، أكثرهم صياماً.

    (ب) الصوم عندما يكون خاصاً، يجب أن لا يبدو لأحد من الناس، بل يجب أن يكون بين الصائم وبين اللّه فحسب "وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً" (متى 6: 16 - 18).

    (ج) لا يتجه الصائم إلى شيء من المتع الجسدية مثل الاستماع إلى الأغاني العالمية أو الانصراف إلى التسليات الدنيوية، لأن هذه الأمور إن لم تعمل على إثارة الشهوات والأهواء في النفس، فهي تبعدها عن التوافق مع اللّه في قداسته. فالواجب على المؤمنين الحقيقيين أن يتجنّبوها ليس في وقت الصيام فحسب، بل وفي غيره من الأوقات أيضاً، حتى لا تتعطل صلتهم الروحية باللّه.
    مما تقدم يتضح لنا أن اتهام المسيحيين بأنهم لا يصومون عن الطعام والعلاقات الزوجية إلا في وقت نومهم، هو محض افتراء.

    د- عجز الخاطئ عن القيام بالصوم حسب مشيئة اللّه:

    من الذي يدرك معنى الصوم، ويستطيع ممارسته والحصول على الفوائد المترتبة عليه؟
    الجواب: ليس الشخص السالك في الخطية، بل البعيد عنها والمتمتع أصلاً بالعلاقة الحقيقية مع اللّه. كما أن هذا الشخص لا يريد من اللّه جزاء عن صومه، إذ يكفيه أنه بواسطة الصوم يستطيع أن يتمتع باللّه أكثر ويخدمه أكثر.

    3- التوبة وعلاقتها بالغفران

    أ‌- ماهية التوبة:
    التوبة ليست الندم على فعل الخطية فحسب، بل هي أيضاً الانصراف الكلي عنها، إكراماً لله ومحبة فيه. أما الامتناع عن الخطية لمجرد الخوف من نتائجها، أو الامتناع عنها مع بقاء التفكير فيها واشتهائها، فلا يُعتبر في نظر اللّه توبة على الإطلاق، بل يُعتبر في الحالة الأولى خدمة للصحة والذات، وفي الحالة الثانية خداعاً للنفس وتضليلاً لها. ولذلك قال الوحي عن الخطاة إنهم يجب أن يتوبوا عن خطاياهم، وليس هذا فقط بل وأيضاً أن يرجعوا إلى اللّه، «عَامِلِينَ أَعْمَالاً تَلِيقُ بِٱلتَّوْبَةِ»(أعمال 26: 20 ) كما قال لهم: «تُوبُوا وَ ٱرْجِعُوا عَنْ كُلِّ مَعَاصِيكُمْ، وَلا يَكُونُ لَكُمُ ٱلإِثْمُ مَهْلَكَةً... وَ ٱعْمَلُوا لأَنْفُسِكُمْ قَلْبا جَدِيداً وَرُوحاً جَدِيدَةً»(حزقيال 18: 30 و31).

    ب‌- توبتنا في ضوء الحقيقة:
    بما أننا مهما تُبنا عن الخطية إكراماً للّه ومحبة فيه، قد نخطئ أحياناً بالقول والفكر، إن لم يكن بالفعل أيضاً. وبما أنَّ الخطأ أيّاً كان نوعه، يحرم النفس من التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية. إذاًفليست هناك في الواقع توبة كاملة لأحد منا أمام اللّه.

    ج‌- أثر التوبة من جهة الغفران والقبول أمام اللّه:
    لنفرض أنَّ إنساناً اختلس مبلغاً من المال من الهيئة التي يعمل فيها. وكانت الضرورة تقضي بسداد هذا المبلغ إليها، وإلا فُصل من عمله وقُدم للمحاكمة. ولكن بدل أن يسعى لسداد المبلغ المذكور، أخذ يبكي على جريمته ويعلن توبته عنها، فهل يستطيع بتصرفه هذا أن يمحو ما لحق به من مسؤولية، أو يصبح أهلاً للبقاء في عمله! طبعاً كلا. وإذا كان الأمر كذلك، ألا يكون بكاؤه وتوبته بدون جدوى، إلا إذا أشفق عليه إنسان كريم، وقام بسداد المبلغ المختَلَس للهيئة المذكورة نيابة عنه؟!

    وعلى هذا النسق نقول: بما أننا بارتكاب الخطية نتعدى على حق اللّه ونفسد أنفسناً أيضاً، وبما أنَّ التوبة مهما صدقت لا تعيد إلى حق اللّه قدسيته بالدرجة التي يصبح معها كأنه لم يُعتَد عليه (لأن أثر هذه التوبة محدود، وحق اللّه غير محدود والشيء المحدود لا يفي مطالب أمر ليس له حدود)، أو تعيد إلى نفوسنا حياة الاستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطية (لأن التوبة مهما بلغت أسمى درجات الإخلاص والأمانة، لا تجعلنا كاملين في كل ناحية من النواحي)، لذلك لا نستطيع بالتوبة أن نال غفراناً من اللّه أو قدرة على التوافق معه والتمتع بحضرته، إلا إذا وُفِّيت أولاً مطالب عدالته وقداسته من نحونا بوسيلة إلهية خاصة، كما ذكرنا.

    -4 الصدَّقة وعلاقتها بالغفران

    آ- حدود الصدقة والأعمال الصالحة في المسيحية:

    إن المبلغ الذي يجب أن نقدمه نحن المسيحيين للأعمال الخيرية، إن لم يزد عن عُشر ما نكسبه من مال، يجب أن لا يقل عنه بحال (تثنية 12: 17 ، متى 5: 20) لذلك قال الوحي لنا: كونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع (1 تيموثاوس 6: 18). ويجب أن يكون عمل الخير والصلاح موجَّهاً إلى جميع الناس "انْظُرُوا أَنْ لاَ يُجَازِيَ أَحَدٌ أَحَدًا عَنْ شَرّ بِشَرّ، بَلْ كُلَّ حِينٍ اتَّبِعُوا الْخَيْرَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ. (1 تسالونيكي 5: 15) حتى إلى الأعداء منهم. فقد قال الوحي: «فَإِنْ جَاعَ عَدُّوُكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَٱسْقِه»(رومية 12: 20)، كما قال «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ» (متى 5: 44).

    ب- الصدقة في نظر اللّه:

    ليست الصدقة وغيرها من الأعمال الصالحة في المفهوم المسيحي أعمالاً اختيارية يجوز للمرء إتيانها أو الامتناع عنها تبعاً لإِرادته، حتى يكون له فضل عند اللّه إذا ضحّى بشيء في سبيل القيام بها، بل هي واجب يتحتم عليه القيام به وإلا اعتُبر مذنباً كما مرَّ بنا في الباب الأول. فإذا ارتكب إنسان خطية ثم قدم بعد ذلك صدقة أو عمل عملاً صالحاً، لا يكون قد عمل جميلاً يمكن اعتباره تعويضاً عن الخطية التي ارتكبها، حتى يستحق الصفح والغفران. لذلك قال الوحي لنا «مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ (من الخير والصلاح) فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ. لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا (فحسب)» (لوقا 17: 10 ) ولو كانت الصدقة والأعمال الصالحة تغفر الخطايا، لكان الذين يتمتعون بالغفران هم فقط الأغنياء ومن لهم القدرة على القيام بهذه الأعمال، وهذا ليس بمعقول على الإطلاق.

    ج- صاحب الفضل في المال الذي بين أيدينا، وفي الأعمال الصالحة التي نقوم بها:

    أضف إلى ذلك أنَّ المال الذي بين أيدينا والصحة التي نتمتع بها في حياتنا، ليست في الواقع ملكاً لنا بل هما من فضل اللّه علينا. لأنه لو كان قد سمح (مثلاً) بولادتنا من عائلات فقيرة جاهلة، أو إصابتنا بأمراض مستعصية عُضالة، لكنَّا الآن فقراء معدمين أو مقعَدين عاجزين عن القيام بعمل من الأعمال مثل كثيرين من بني جنسنا. لذلك فإننا عندما نعطي للفقراء شيئاً من المال الذي بين أيدينا، أو نستخدم صحتنا في القيام بأي عمل من الأعمال الصالحة، لا نكون قد ضحَّينا بشيء من عندنا أو نكون قد أسدينا للّه جميلاً نستحق عنه ثواباً.
    وقد أدرك داود النبي هو ورجاله هذه الحقيقة الثمينة، ولذلك بعد أن قدموا ما يعادل ملياراً من الجنيهات الذهبية، لأجل بناء الهيكل، قال داود للّه «وَلٰكِنْ مَنْ أَنَا وَمَنْ هُوَ شَعْبِي حَتَّى نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتبَرَّعَ (أي أن نقوم من أنفسنا بعمل) هٰكَذَا، لأَنَّ مِنْكَ ٱلْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ! أَيُّهَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا، كُلُّ هٰذِهِ ٱلثَّرْوَةِ ٱلَّتِي هَيَّأْنَاهَا لِنَبْنِيَ لَكَ بَيْتً لاسْمِ قُدْسِكَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ يَدِكَ، وَلَكَ ٱلْكُلُّ»(1 أخبار 29: 14 و 16)، كما قال بطرس الرسول من بعده «إِنْ كَانَ يَخْدِمُ أَحَدٌ فَكَأَنَّهُ مِنْ قُّوَةٍ يَمْنَحُهَا ٱللّٰهُ»(1بطرس 4: 11).

    د- العيوب الكامنة في الصدقة والأعمال الصالحة:

    كما أننا إذا وضعنا أمامنا أنَّ الصدقة والأعمال الصالحة التي يقوم بها الخطاة، كثيراً ما تكون ملوثة بجراثيم البخل والتقتير، أو الفخر والتباهي، أو الرغبة في جزاء من اللّه أو الناس، بسبب دورها من الطبيعة البشرية الفاسدة السائدة عليهم، اتضح لنا أن هذه الصدقة والأعمال الصالحة مملوءة بنقائص متعددة، الأمر الذي يجردها من كل صلاح حقيقي يمكن أن يبقى فيها. وقد أدرك إشعياء النبي مرة هذه الحقيقة في نور اللّه، فصرخ قائلاً: « وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا (وليس أعمال شرنا فحسب)»(إشعياء 64: 6). ثوب العِدّة هو الثوب الملطخ بالطمث، وهو نجس في الشريعة اليهودية.
    وإن كانت هذه الحقيقة تسمو فوق إدراك الكثيرين، لكن من سمت نفوسهم وارتقت استطاعوا أن يدركوها كما أدركها هذا النبي. فمثلاً قال كيركجارد رائد الوجودية الروحية: «إن أفضل أعمالنا مثل أشرّها، يحتاج إلى غفران اللّه». ولإيضاح هذه الحقيقة إلى حد ما نقول: إذا تطلعنا إلى خضروات مغسولة، قد لا نرى فيها قذارة ما. لكن إذا وضعناها تحت عدسة الميكرسكوب نرى فيها آلاف الجراثيم - وهكذا الحال من جهة الأعمال الصالحة التي نقوم بها، فإننا وإن كنا نراها طيبة، غير أن اللّه يرى فيها الكثيرمن النقائص والعيوب. ولا غرابة في ذلك، ففي ضوء كماله المطلق تبدو السماء نفسها غير طاهرة، ويبدو الملائكة أنفسهم حمقى (أيوب 4: 18)!!

    • مذكرة توضيحية عن سورين كيركجارد:

    وُلد هذا الفيلسوف في الدانمارك سنة 1813 ، ويُعتبَر من أشهر علماء النفس في العصر الحديث، وأكثرهم تفكيراً في الأمور الروحية. وهو لم يبتدع رأياً فلسفياً معيناً، بل عُني بالوجود الفعلي أكثر من النظري. ومن أهم آرائه:

    (1) أن اللّه لا يشرق بمعرفته على الإنسان، إلا إذا وقف الإنسان أمامه مجرداً من كل تصنُّع وادعاء بالصلاح، وعرف فساد طبيعته والمصير المرعب الذي ينتظره.

    (2) إن الحق الروحي ليس هو الحق النظري، بل هو الحق العملي المؤيَّد بالاختبار الشخصي، والذي يدفع المرء ثمنه بنفسه. لذلك يجب على طالب الحق أن لا يكتفي بالتطلع إليه من النافذة أو الشرفة، بل أن ينزل إلى الطريق ويسير في ركابه، حتى تمتزج نفسه به كل الامتزاج. وهذه الآراء تُعتبر تفسيراً صحيحاً لأقوال الكتاب المقدس عن الحياة الروحية.

    هـ - أثر الصدقة والأعمال الصالحة من جهة الغفران والتمتع باللّه:

    لنفرض أنَّ ملكاً عظيماً نبيلاً تعدَّى عليه خادم ما وأهانه إهانة شنيعة، وبعد ذلك تقدم إليه هذا الخادم حاملاً في يده هدية ثمينة، فهل تستطيع هذه الهدية وحدها أن تمحو عن الملك العظيم النبيل ما لحقه من إهانة؟ أو تجعله يُسرّ بالخادم المذكور ويقربّه إلى حضرته؟ طبعاً كلا وكلا. وعلى هذا النسق نقول: نظراً لأن الصدقة والأعمال الصالحة التي يقوم بها بعض الخطاة (حتى إن كانت خالية من كل العيوب)، لا تستطيع أن تعيد إلى حق اللّه قدسيته بالدرجة التي يصبح معها كأنه لم يُعتَد عليه (لأن هذه الأعمال محدودة في قدرها، وحقّ اللّه لا حدّ لقدره، والأشياء المحدودة في قدرها لا تفي مطالب أمر لا حد لقدره)، أو تؤهل الخطاة للتوافق مع اللّه في قداسته وكماله (لأنها لا تستطيع أن تعيدهم إلى حياة الاستقامة التي كانت لآدم قبل السقوط في الخطية)، لذلك لا يمكن أن تكون هذه الأعمال وحدها ثمناً للغفران أو التمتع باللّه.

    وقد أدرك الأنبياء هذه الحقيقة، فكانوا يبكون على خطاياهم بالرغم من الأعمال الصالحة الكثيرة التي كانوا يقومون بها. فداود النبي كان يعوّم سريره بدموعه ويذوّب فراشه كل ليلة :

    "تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي. (مزمور 6: 6)،
    ويقول: «خَسَفَتْ مِنَ ٱلغَمِّ عَيْنِي. نَفْسِي وَبَطْنِي. لأَنَّ حَيَاتِي قَدْ فَنِيَتْ بِٱلْحُزْنِ وَسِنِينِي بِٱلتَّنَهُّدِ»(مزمور 31: 9 ، 10).
    «بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ»و ،(مزمور 32: 3)
    «لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلامَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي. لأَنَّ آثَامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْلٍ ثَقِيلٍ أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ. قَدْ أَنْتَنَتْ، قَاحَتْ حُبُرُ ضَرْبِي مِنْ جِهَةِ حَمَاقَتِي» (مزمور 38: 3 - 5) (الحبر (بضم الحاء والباء) هي الجروح العميقة التي وإن شُفيت، لا تزول آثارها من الجسم).

    5- الشفاعة وعلاقتها بالغفران

    آ- عدم قدرة الأنبياء على الشفاعة أمام اللّه:

    بما أن هؤلاء الأنبياء وإن كانوا أفضل من غيرهم من الناس، غير أنهم في ذواتهم خطاة مثلهم، إن لم يكن بالفعل، فبالقول والفكر كما ذكرنا في الباب الأول، لذلك فإنهم من تلقاء أنفسهم لا يتوافقوا مع اللّه في صفاته السامية، كما يقعون من جهة استحقاقهم الذاتي تحت طائلة قصاصه الأبدي، فلا يستطيعون أن يتشفعوا لأجل خلاص أحدٍ من قصاص خطاياه أو تأهيله للوجود مع اللّه، لأنهم أنفسهم يحتاجون إلى هذا وذاك. والكتاب المقدس بإعلانه أن القديسين خطاة مثل باقي الناس "لأَنَّهُ لاَ إِنْسَانٌ صِدِّيقٌ فِي الأَرْضِ يَعْمَلُ صَلاَحًا وَلاَ يُخْطِئُ."(جامعة 7: 20) لا يقصد التشهير بهم، بل يعلن حقيقة أمرهم حتى لا يعتمد عليهم أحد في أمر الخلاص من الخطية ونتائجها.

    ب- عدم قدرة الملائكة على الشفاعة لدى اللّه:

    كما أنَّ الملائكة وإن كانوا في نظرنا كائنات سامية طاهرة، لكنهم ليسوا كذلك في نظر اللّه الكلي الكمال. فقد قال الوحي إنه تعالى ينسب إلى الملائكة حماقة (أيوب 4: 18). فإذا أضفنا إلى ذلك أن الملائكة كائنات محدودة، والكائنات المحدودة لا تستطيع أن تفي مطالب عدالة اللّه وقداسته غير المحدودة، أدركنا أن شفاعة الملائكة (إن كانت لهم شفاعة) لا تجلب لنا الغفران أو تقربنا إلى اللّه، لأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بعد إيفاء مطالب عدالته وقدسته.
    وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أنّ الجدير بالشفاعة يجب أن يكون شخصاً لم يعمل أية خطية على الإطلاق، وفي الوقت نفسه يكون كاملاً من جهة البر كل الكمال. كما يجب أن يكون قادراً على الإحاطة بمطالب عدالة اللّه وقداسته التي لا حدّ لها، وقادراً أيضاً على إيفائها جميعاً، بالدرجة التي تُرضي اللّه تماماً.

    فمن هو هذا الشخص يا ترى؟

    للإِجابة على هذا السؤال، سوف ننتظر الجلسة القادمة بتاريخ 23/03/2010 بعنوان :

    الفداء أو الطريق الإِلهي للغفران

    الرب يبارك حياتكم.

    Admin

    المصدر: فلسفة الغفران ، عوض سمعان - الجزء الأول: لزوم كفارة المسيح.



    عدل سابقا من قبل Admin في السبت يونيو 05, 2010 5:27 am عدل 1 مرات
    avatar
    Mary

    عدد المساهمات : 91
    تاريخ التسجيل : 01/06/2009

    رد: سلسلة تأملية عن المصلوب والفداء في البالتوك

    مُساهمة  Mary في الخميس مارس 18, 2010 4:23 am

    خدمات رائعه

    ربنا يباركك
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 326
    تاريخ التسجيل : 23/03/2009
    العمر : 62

    شكر وتقدير

    مُساهمة  Admin في السبت مارس 20, 2010 4:10 pm

    أختي الغالية ماري
    أشكرك لمشاركتك وتشجيعك وتعب محبتك
    ربنا يبارك حياتك
    Admin
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 326
    تاريخ التسجيل : 23/03/2009
    العمر : 62

    <<< الجلسة الخامسة : الفداء أو الطريق الإِلهي للغفران >>>

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مارس 24, 2010 11:40 am

    <<< الجلسة الخامسة : الفداء أو الطريق الإِلهي للغفران >>>


    1- ضرورة الفداء أو التعويض

    لا سبيل للحصول على الغفران أو التمتع باللّه إلا إذا تم أولاً إيفاء مطالب عدالته وقداسته بوسيلة ما كما سلف ذكره. لكن الذين لا يدركون هذه الحقيقة، أو يدركونها لكن يتغاضون عنها لعدم معرفتهم بكيفية إتمامها، يريحون ضمائرهم من جهة الغفران والتمتع باللّه، بترك الأمر إلى رحمته. ونحن وإن كنا نعتز برحمة اللّه كل الاعتزاز، ونؤمن أنه لا حد لها على الإطلاق، وأنها وحدها هي الكفيلة بالإتيان إلينا بالصفح والغفران، لكن لكي لا يكون الاعتماد عليها مؤسساً على مجرد الأمل ، بل على الحق والواقع نقول:
    لنفرض أنَّ قضية رُفعت إلى قاض مشهور بالرحمة والرأفة، لكنه إلى ذلك يقدّس العدل ولا يفرّط في حق، فهل يجوز للمذنب أن يُطمْئِن نفسَه بأن هذا القاضي سوف يبرئ ساحته لأن قلبه الرحيم الرؤوف لا يرضى بتوقيع العقوبة القانونية عليه؟ (الجواب) طبعاً لا. وعلى هذا النسق تماماً نقول: بما أنَّ اللّه كما أنه رحيم رؤوف هو عادل وقدوس أيضاً، إذاً لا يجوز أن نُطَمْئِن نفوسنا بما هو عليه من رحمة ورأفة، قبل أن نعرف الوسيلة التي تؤهلنا للتمتع بها دون الإجحاف بمطالب عدالته وقداسته، فما هي الوسيلة يا ترى؟
    الجواب: بما أننا لا نستطيع بالصلاة والصوم والتوبة والأعمال الصالحة أن نفي مطالب عدالة اللّه وقداسته التي لا حد لها. ومن ناحية أخرى بما أن عدالة اللّه وقداسته لا تقلان في شيء عن رحمته ومحبته، وذلك لكماله المطلق وتوافق كل صفاته معا كما ذكرنا. إذاً إن كان هناك مجال للتمتع بالغفران والقبول أمام اللّه ، لا بد من الفداء أو التعويض، أو بالحري لا بد من إيفاء مطالب عدالة اللّه وقداسته بواسطة كائن عوضاً عنا - وإيفاء هذه المطالب يستلزم طبعاً من هذا الكائن أن يقبل على نفسه القصاص الذي نستحقه بسبب خطايانا تنفيذاً لمطالب عدالة اللّه، وأن يهبنا أيضاً طبيعة روحية تجعلنا أهلاً للتوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية تنفيذاً لمطالب قداسته.
    أما الفداء في اللغة العبرية فهو الترضية وإزالة الأحقاد بعد دفع التعويض. وفي اللغة العربية هو الإنقاذ وليس بدون مقابل، بل بعد تقديم التضحية اللازمة، وقد تكون هذه التضحية مالاً أو غير مال، فقد جاء في القاموس المحيط «فداه»أي دفع شيئً فأنقذه، ومن ثمّ يكون قد اشتراه ثانية.

    أما في اللغات الأوروبية فيُراد بالفداء أربعة أمور:

    (1) استرداد الشرف المُعتدَى عليه
    (2) إطلاق سراح الأسير
    (3) استعادة الشيء المرهون
    (4) إنقاذ شخص من أزمة أو موت. وكل ذلك بواسطة تضحية أو مجهود ما.

    2- نشأة الفداء

    ذكرنا في الباب الأول أن آدم عندما أكل من الشجرة المنهي عنها ومات موتاً أدبياً، لم ينفذ اللّه فيه وقتئذ حكم الموت الجسدي، الذي أنذره به في حالة العصيان، بل أنقذه من هذا الموت، وأنقذه أيضاً من الموت الأبدي الذي هو العقاب الذي كان سيعرض له في العالم الآخر، وذلك بتوقيع الموت على حيوان عوضاً عنه. وإن كانت هذه الذبيحة الحيوانية في حدّ ذاتها غير كافية للفداء، لكن لأنها كانت رمزاً إلى ذبيحة عظمى في نظر اللّه، لذلك اكتسبت وقتئذ شرعاً قوة الفداء - ولبيان هذا نقول:
    سجَّل الوحي أنَّ اللّه بعدما اقتاد آدم وحواء للاعتراف بعصيانهما والندم عليه، صنع لهما أقمصة من جلد وألبسهما "وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا"(تكوين 3: 21). وبما أنَّ الوحي لا يستعمل كلمة إلا في معناها الصحيح، لذلك لا بدّ من التسليم بأنَّ اللّه لم يخلق هذه الأقمصة من العدم بل صنعها. ولما كانت صناعتها تستلزم وجود جلد وقتئذ تُصنع منه، واللّه لم يخلق جلداً بمفرده، بل خلق حيوانات يكسوها الجلد، إذاً فمن المؤكد أنه بوسيلة ما تمَّ ذبح حيوانين، ومن جلدهما صُنعت هذه الأقمصة.
    لكن إذا تأملنا الظروف المحيطة بهذا الموضوع، يتضح لنا أن الغرض من ذبح الحيوانين المذكورين لم يكن مجرد الحصول على الجلد، بل التكفير بهما (أو بالحري التعويض بهما) عن آدم وزوجته، وذلك للأسباب الآتية:
    إن اللّه الذي خلق العالمين بكلمة، لم يكن من العسير عليه أن يخلق أقمصة من الجلد بكلمة أيضاً، بدلاً من ذبح حيوانين لاستخدام جلدهما في صنع الأقمصة المذكورة.
    لم ينتفع آدم وحواء بلحم هذين الحيوانين في شيء ما، ومن ثم فلم يكن هناك مبرر لذبحهما لولا أن اللّه قصد به أول فدية عن آدم وامرأته. أما أول من أكل اللحم فهو نوح وأولاده "كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ"(تكوين 9: 3)، أما من سبقوهم من البشر فكانوا يأكلون النباتات فحسب. وعلماء التاريخ الطبيعي يؤكدون هذه الحقيقة، فهم يقولون إن الإِنسان لم يعرف أكل اللحوم إلا بعد فترة طويلة من وجوده على الأرض.
    قدم هابيل بن آدم عن نفسه (كما سنرى فيما بعد) ذبيحة حيوانية للّه، وطبعاً ما كان من الممكن أن يعرف كيفية تقديمها أو ضرورة تقديمها من تلقاء ذاته (لأنه لم يكن يأكل لحماً حتى يعرف كيفية ذبح الحيوان، أو يدرك استحقاقه للموت بسبب أي خية يرتكبها، حتى يقدم هذا الحيوان كفارة عن نفسه)، بل لا بد أنه عرف هذين الأمرين من أبيه. وطبعاً ما كان أبوه ليعرفهما، لولا أنه أدرك أنَّ اللّه قصد بذبح الحيوانين (اللذين لم ينتفع هو بشيء منهما سوى الجلد)، أن يكونا كفارة عنه وعن امرأته.
    مما تقدم يتضح لنا:

    (أ) أنَّ الموت الذي كان يجب أن يحل بآدم وحواء بسبب عصيانهما، رتب اللّه أن يحل بحيوانين بريئين عوضاً عنهما، رحمةً بآدم وحواء من جهة، وإيفاءً لمطالب عدالة اللّه على النحو الذي ارتضاه من جهة أخرى.

    (ب) إنَّ اللّه سترعري آدم وحواء الذي ترتب على عصيانهما، أو بالحري غطى نتائج خطيتهما، بجلد هذين الحيوانين، فيكون اللّه قد جعل الفداء أساس الخلاص من قصاص الخطية ونتائجها السيئة، التي كان يشار إليها بالعري وقتئذ.

    3- الفداء في عصر الآباء


    عصر الآباء هو العصر الذي عاش فيه المؤمنون باللّه قبل نزول أي شريعة من لدنه، فكانوا يتقربون إليه ويتعبدون له على أساس الذبيحة التي سلـِّم مبدأها لآدم، عندما سمح بذبحها نيابة عن نفسه، كما يتضح مما يلي:

    آ- قدّم هابيل ذبيحة لله، من أبكار غنمه ومن سِمانها "وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ"(تكوين 4: 4)، وقدمها بإيمان أنَّ اللّه يرضى عنه على أساسها، وأنه لإيمانه هذا شهد اللّه عنه أنه بار "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ ِللهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ. فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!" (عبرانيين 11: 4). وهذه أول مرة يُوصف فيها إنسان بأنه «بار»في الكتاب المقدس. ومن مواضع كثيرة منه يتضح لنا أن البار لدى اللّه، ليس هو الإِنسان الخالي من الخطية (لأنه ليس هناك مثل هذا الإنسان)، بل هو الإِنسان الذي يدرك استحقاقه للقصاص الأبدي بسبب خطاياه. وبالإضافة إلى توبته عنها، يعتمد في أمر القبول أمام اللّه على كفارة يرتضيها بناء على وصاياه في العصر الذي تقدم فيه، وذلك لإِيفاء مطالب عدالته على النحو الذي يقبله.

    ب- ونوح بعد خروجه من الفلك بنى مذبحاً للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة والطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح، فتنسَّم اللّه رائحة الرضا "فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَالَ الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: «لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ، لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلاَ أَعُودُ أَيْضًا أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ." (تكوين 8 : 21). ومن هذه الآية يتضح لنا أنَّ نوحاً وإن كان أفضل من معاصريه الذين أهلكهم الطوفان، غير أنه أدرك ببصيرته الروحية أنه على أي حال خاطئ ومستحق للهلاك مثلهم، لأن الخطية لا تكون بالفعل فقط، بل وبالقول والفكر أيضاً كما ذكرنا، وأدرك أنَّ إنقاذ اللّه إياه من هذا الهلاك، إنما يرجع إلى رحمته، فقدَّم الذبائح من البهائم الطاهرة والطيور الطاهرة عالماً بالإِيمان أنها وحدها هي التي يليق تقديمها كفارة للّه.

    ج- وإبراهيم أبو المؤمنين، عندما ظهر له اللّه بالقرب من شكيم، بنى مذبحاً له هناك. ولما حلّ بعد ذلك شرق بيت إيل، بنى مذبحاً ثانياً له "وَاجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ». فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ. ثُمَّ نَقَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْجَبَلِ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيل وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ. وَلَهُ بَيْتُ إِيلَ مِنَ الْمَغْرِبِ وَعَايُ مِنَ الْمَشْرِقِ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ."(تكوين 12: 6-8 )، وعندما نقل خيمته إلى بلوطات ممرا، بنى هناك مذبحاً ثالثاً "فَنَقَلَ أَبْرَامُ خِيَامَهُ وَأَتَى وَأَقَامَ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا الَّتِي فِي حَبْرُونَ، وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ." (تكوين 13:18) وبناء هذه المذابح دليل على أنَّ إبراهيم كان يقدم عن نفسه ذبائح للّه، ودليل أيضاً على أنه كان يعبد اللّه، ويكرّس حياته له. فضلاً عن ذلك فإنَّ اللّه عندما طلب منه أن يقدم ابنه ذبيحة، لم يتردد لحظة واحدة. لكن نظراً لأن هذا الطلب كان مجرد امتحان، أراه اللّه كبشاً. فقدمه إبراهيم ذبيحة عوضاً عن ابنه، أو فدية عنه "فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ" (تكوين 22: 13).

    د- وإسحاق، عندما ظهر له الرب ووعده بمباركة نسله، بنى مذبحاً ودعا باسم الرب "فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ. وَنَصَبَ هُنَاكَ خَيْمَتَهُ، وَحَفَرَ هُنَاكَ عَبِيدُ إِسْحَاقَ بِئْرًا"(تكوين 26: 25)، معلناً بذلك أنه للرب، وأنه يذبح له دون سواه، كما كان يفعل إبراهيم أبوه.

    هـ ويعقوب، لما أتى سالماً إلى مدينة شكيم، أقام مذبحاً ودعاه «إيل، إله إسرائيل» "وَأَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَاهُ - إِيلَ إِلهَ إِسْرَائِيلَ." (تكوين 33: 20) «إيل»كلمة عبرية معناها «اللّه»، وفي اللغة العربية أيضاً يسمى اللّه «الإِله» ويرجع السبب في هذا التشابه إلى أن أصل اللغتين العربية والعبرية (والسريانية والأرامية أيضاً) واحد. أما الاسم «إسرائيل»فهو الاسم الذي أطلقه اللّه على يعقوب، عندما أظهر استماتته في التمسُّك باللّه، ومعناه «المجاهد مع اللّه»». وبناءً على عهد سابق من يعقوب لله، أمره اللّه بعد مدة،أن يصعد إلى «بيت إيل» ويبني هناك مذبحاً، فصعد وبنى المذبح كما أمره اللّه. ودعا المكان « بيت إيل»، لأن هناك ظهر له اللّه "وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا، وَدَعَا الْمَكَانَ «إِيلَ بَيْتِ إِيلَ» لأَنَّهُ هُنَاكَ ظَهَرَ لَهُ اللهُ حِينَ هَرَبَ مِنْ وَجْهِ أَخِيهِ" (تكوين 35: 7). وقبل نزوله إلى مصر لكي يرى ابنه يوسف، ذبح ذبائح للّه "فَارْتَحَلَ إِسْرَائِيلُ وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ وَأَتَى إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ، وَذَبَحَ ذَبَائِحَ لإِلهِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ." (تكوين 46: 1). فظهر له اللّه ووعده بأنه سيرافقه في طريقه إليها.

    و- وأيوب، كان من عادته أن يُصعد ذبائح بعدد أبنائه للّه، ليفديهم بها من قصاص ما يمكن أن يكون قد صدر منهم من خطأ في تصرفاتهم "وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ." (أيوب 1: 5)، حتى لا يقع هذا القصاص عليهم.
    مما تقدم يتضح لنا أن المبدأ الذي على أساسه كان اللّه يُظهِر الرحمة للبشر (حتى الذين اصطفاهم من بينهم) هو اعترافهم بأنهم خطاة وأنهم يستحقون القصاص الأبدي بسبب خطاياهم، ثم تقديمهم بعد ذلك الذبائح عوضاً عن نفوسهم.

    4- الفداء في اليهودية

    يشمل هذا الفداء الذبائح التي كان يقدمها بنو إسرائيل، وفق الشرائع التي أعلنها اللّه لموسى النبي، وكانت هذه الذبائح تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

    القسم الأول - الذبائح العامة: وهي الذبائح القومية التي كانت تُقدم للّه في كل يوم، وفي كل موسم من المواسم الدينية، وأهمها:

    - الذبيحة اليومية: وكانت تتكون من خروفين حوليين (عمر الواحد سنة) صحيحين: الخروف الأول يعمل صباحاً والخروف الثاني بين العشاءين "وَقُلْ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْوَقُودُ الَّذِي تُقَرِّبُونَ لِلرَّبِّ: خَرُوفَانِ حَوْلِيَّانِ صَحِيحَانِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُحْرَقَةً دَائِمَةً. الْخَرُوفُ الْوَاحِدُ تَعْمَلُهُ صَبَاحًا، وَالْخَرُوفُ الثَّانِي تَعْمَلُهُ بَيْنَ الْعَشَاءَيْنِ." (العدد 28: 3-4).

    - ذبيحة يوم السبت: وكانت تتكون من خروفين حوليين صحيحين، بالإضافة إلى خروفي الذبيحة اليومية "وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ خَرُوفَانِ حَوْلِيَّانِ صَحِيحَانِ، وَعُشْرَانِ مِنْ دَقِيقٍ مَلْتُوتٍ بِزَيْتٍ تَقْدِمَةً مَعَ سَكِيبِهِ، مُحْرَقَةُ كُلِّ سَبْتٍ، فَضْلاً عَنِ الْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ وَسَكِيبِهَا." (العدد 28: 9 -10). الحولي هو الذي مرّ عليه حول، أو سنة. أما كلمة - السبت فمعناها - الراحة، وكانت تُطلق على يوم الراحة الأسبوعية لدى بني إسرائيل.

    - ذبيحة أول الشهر: وكانت تتكون من ثورين وكبش وسبعة خراف حولية صحيحة "وَفِي رُؤُوسِ شُهُورِكُمْ تُقَرِّبُونَ مُحْرَقَةً لِلرَّبِّ: ثَوْرَيْنِ ابْنَيْ بَقَرٍ، وَكَبْشًا وَاحِدًا، وَسَبْعَةَ خِرَافٍ حَوْلِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، (العدد 28: 11).

    - ذبيحة الفصح: وتتكون من ثورين وكبش وسبعة خراف صحيحة وتيس واحد، في كل يوم من أيام الفصح السبعة "وَفِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ، فِي الْيَوْمِ الرَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ فِصْحٌ لِلرَّبِّ. ... وَتُقَرِّبُونَ وَقُودًا مُحْرَقَةً لِلرَّبِّ: ثَوْرَيْنِ ابْنَيْ بَقَرٍ، وَكَبْشًا وَاحِدًا، وَسَبْعَةَ خِرَافٍ حَوْلِيَّةٍ. صَحِيحَةً تَكُونُ لَكُمْ." (العدد 28: 16 - 25) - هذا عدا ذبيحة الفصح العائلية التي كانت تعملها كل أسرة بنفسها (تثنية 16: 2).

    - ذبيحة باكورة الحصاد: وتتكون من ثور وكبش واحد وسبعة خراف حولية صحيحة وتيس "وَفِي الشَّهْرِ السَّابعِ، فِي الأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ،
    يَكُونُ لَكُمْ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ. عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُوا. يَوْمَ هُتَافِ بُوقٍ يَكُونُ لَكُمْ. وَتَعْمَلُونَ مُحْرَقَةً لِرَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ: ثَوْرًا وَاحِدًا ابْنَ بَقَرٍ، وَكَبْشًا وَاحِدًا، وَسَبْعَةَ خِرَافٍ حَوْلِيَّةٍ صَحِيحَةٍ." (العدد 29: 1 -2).

    - ذبيحة عيد الكفارة: وتتكون من ثور وكبش وسبعة خراف حولية صحيحة وتيس "وَفِي عَاشِرِ هذَا الشَّهْرِ السَّابعِ، يَكُونُ لَكُمْ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ، وَتُذَلِّلُونَ أَنْفُسَكُمْ. عَمَلاً مَا لاَ تَعْمَلُوا. وَتُقَرِّبُونَ مُحْرَقَةً لِلرَّبِّ رَائِحَةَ سَرُورٍ: ثَوْرًا وَاحِدًا ابْنَ بَقَرٍ، وَكَبْشًا وَاحِدًا، وَسَبْعَةَ خِرَافٍ حَوْلِيَّةٍ. صَحِيحَةً تَكُونُ لَكُمْ." (العدد 29: 7-8 ).

    - ذبيحة عيد المظال: وتتكون من 71 ثوراً و15 كبشاً و105 خروفاً حولياً و8 تيوس، تقدم في ثمانية أيام متتالية "وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ السَّابعِ، يَكُونُ لَكُمْ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ. عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُوا. وَتُعَيِّدُونَ عِيدًا لِلرَّبِّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ. (العدد 29: 12).

    - ذبيحة البقرة الحمراء: وكان رمادها يوضع في ماء، ويستعمل للتطهير الرمزي لكل من مسّ ميتاً أو قتيلاً "هذِهِ فَرِيضَةُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّبُّ قَائِلاً: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَأْخُذُوا إِلَيْكَ بَقَرَةً حَمْرَاءَ صَحِيحَةً لاَ عَيْبَ فِيهَا، وَلَمْ يَعْلُ عَلَيْهَا نِيرٌ، (العدد 19: 1).
    القسم الثاني - الذبائح الشخصية: وهي الذبائح التي كان يقدمها الأفراد، كل حسب الظرف الذي يجتاز فيه، وأهمها:

    - ذبيحة المحرقة: وكان يأتي بها كل من أراد التقرب إلى اللّه والتمتع برضائه (لاويين 1: 1 - 9)، فمثلاً عندما تبوّأ سليمان المُلْك بعد أبيه، قدم للّه في يوم واحد ألف ذبيحة محرقة "وَذَهَبَ الْمَلِكُ إِلَى جِبْعُونَ لِيَذْبَحَ هُنَاكَ، لأَنَّهَا هِيَ الْمُرْتَفَعَةُ الْعُظْمَى، وَأَصْعَدَ سُلَيْمَانُ أَلْفَ مُحْرَقَةٍ عَلَى ذلِكَ الْمَذْبَحِ." (1 ملوك 3: 4).

    - ذبيحة السلامة: وكان يأتي بها كل من أراد أن يشكر اللّه لأجل إحسان أسداه إليه، أو أراد أن يقدم له (ذبيحة تطوّعية)، للدلالة على الإخلاص له والرغبة في التفاني في إكرامه (لاويين 3: 1 - 5 ، 7: 11 – 21) وعند تكريس الهيكل أراد سليمان الملك أن يعبر عن شكره للّه، فقدم ذبائح سلامة عددها اثنان وعشرون ألفاً من البقر ومائة وعشرون ألفاً من الغنم (1 ملوك 8 : 63).

    - ذبيحتا الخطية والإثم: وكان يأتي بإحداهما من عمل سهواً شيئاً من الأمور التي نهى اللّه عنها (لاويين 4: 1 - 35 ، لاويين 5: 1 - 19)، غير أن الذبيحة الأولى كانت تُقدم للّه باعتبار الخطية نجاسة. أما الثانية فكانت تُقدم له باعتبار الخطية ذنباً - لأننا بارتكاب الخطية لا ننجس أنفسنا فقط، بل نسيء إلى اللّه أيضاً.

    - ذبيحة الملء أو التكريس الكامل: وكانت تقدم عند التكفير عن الكهنة يوم إقامتهم بأعمالهم، للدلالة على أنهم أصبحوا مقدسين للّه ولخدمته (لاويين 8 : 22 - 36 ) من الناحية الرمزية.

    - ذبائح التطهير الخاصة بالأم عندما تلد (لاويين 12: 1 - 8 ).

    - والأبرص عندما يبرأ (لاويين 14: 1 - 20).

    - والمصاب بسيل عندما ينقطع سيله (لاويين 15: 1 - 15 ).

    5- الفداء في الوثنية

    نبذ معظم الناس الوثنية من عهد بعيد، لكن نظراً لأنها كانت ولا تزال منتشرة في بلاد متحضرة، ويعتنقها إلى الآن أشخاص نالوا قسطاً وافراً من الثقافة، لذلك لا شك أنها قامت على آراء جديرة بالبحث. وبدراسة هذه الآراء يتضح لنا:
    كان الوثنيون في أول الأمر يعبدون اللّه الواحد، لكن لعجزهم عن إدراكه، عبدوا الكائنات التي تصوّر لهم الصفات التي تخيلوها فيه، فرفعوا هذه الكائنات إلى مرتبة الألوهية لديهم، وتقدموا إليها بكل خشوع واحترام بعد غسل أجسادهم بماء كانوا يدعونه «الماء المقدس»، كما قربوا لها الذبائح الحيوانية لينالوا (حسب اعتقادهم) غفرانها ورضاها - وكان معظم الوثنيين يعتزون بهذه الذبائح اعتزازاً عظيماً، فكانوا يزينونها بأزهار جميلة ويرقصون حولها كثيراً، وبعد ذلك كانوا يسلمونها إلى الكاهن ليتولى تقريبها إلى آلهتهم.

    وكان قدماء المصريين يواظبون على تقريب الذبائح الحيوانية لآلهتهم، وكانوا يعدّون لهذا الغرض مذبحاً خاصاً في كل هيكل من هياكلهم. وكان من الواجب على الكهنة الذين يقرّبونها أن يكون شعرهم محلوقاً وملابسهم نظيفة، حتى لا يكون بهم شيء من الهوان. وكانوا في أثناء تقريب الذبائح المذكورة ينشدون ترانيم معينة، ويقومون بشعائر دينية خاصة. أما عند استعطافهم للإِله «تيفون» فكانوا يحرقون الضحايا وهي حية. وبعد حرقها كانوا يذرّون رمادها في الهواء، ليُنتزع منه (كما يعتقدون) كل شر يمكن أن يكون فيه.
    وبلغ شعور الفرس والبابليين بشر الخطية شأناً عظيماً، حتى أنهم كانوا يشعلون ناراً أمام آلهتهم ويطرحون فيها أبناءهم كفارةً عنهم، أو روّاداً يفسحون لهم الطريق إلى العالم الآخر، أو رسلاً يحملون المعونة لأقاربهم الذين رحلوا إلى هذا العالم من قبل. ومما يثير الدهشة أنهم كانوا يحرقون أبناءهم وسط قرع الطبول وهتاف المغنين!!

    وكان الهنود يعذبون أنفسهم بطرق كثيرة مثل المشي على المسامير، وعدم تحريك أيديهم أو أرجلهم، أو قطع بعض أجزاء من أجسامهم. ظناً منهم أنهم بهذه الوسائل يكفرون عن خطاياهم ويتخلصون منها ومن عقابها. كما كانوا يقدمون أبناءهم طعاماً للحيوانات المؤلهة كالتماسيح، ليحصلوا (حسب اعتقادهم) على عفوها ورضاها. فقد جاء في كتاب الفيدا، وهو الكتاب المقدس عندهم، أنَّ الإنسان كفر عن نفسه أولاً بنبات الأرض، ثم بالحيوان، ثم بأولاده. ويقول المؤرخون إنّ بعض الهنود، تحت تأثرهم بشناعة خطاياهم، وفداحة التضحيات التي كانوا يبذلونها في سبيل التكفير عنها، «كانوا يقولون متى يا ترى نخلص نهائياً من خطايانا!! » .

    ومن المأثور عن الكاهن الذي كان يقدم الذبائح في الهند، أنه كان يطهر أولاً نفسه بما كان يُدعى «الماء المقدس» ثم يطهر الجو المحيط به بواسطة رسم دائرة واسعة في الفضاء بذراعه. وبعد فحصه للذبائح وتأكده من سلامتها، كان يدور حولها ثلاث مرات، وهو يحمل مشعلاً في يمينه. أما أصحاب الذبائح فكانوا يظلون بالقرب منها حتى يذبحها الكاهن ويأخذوا أنصبتهم منها، ويشاهدوا بعد ذلك بقاياها وهي تحترق بالنار. وكانوا يعتقدون أنَّ من يأكل من الذبائح تنتقل إليه صفات الإِله المقدَّمة هذه الذبائح إليه. فقد جاء في الترانيم الفيدية أنَّ من يقدم محرقة إلى براهما، يتحد به، ولكن في دائرته.

    أما اليونان والرومان، فكانوا يؤمنون بآلهة متعددة للزراعة والإخصاب والجمال والحرب وغير ذلك. وخشية أن يكونوا قد نسوا واحداً منها بنوا مذبحاً وكتبوا عليه: «لإله مجهول»، وكانوا يقدمون لهذا الإله وغيره من الآلهة الكثير من الذبائح الحيوانية. ولم تكن هذه العادة عند عامتهم فحسب، بل وعند خاصتهم أيضاً. فسقراط عندما تذكر قبل موته أنه مدين بديك لإِله الطب «اسكولابيوس»، أوصى تلميذه أن ينوب عنه في تقديم هذا الديك. وأفلاطون الذي ارتقى روحياً عن معاصريه، فأدرك الشيء الكثير عن وحدانية اللّه والفضيلة التي يجب مراعاتها، ذهب إلى حقيقة سامية من جهة الذبائح لم يدركها كثيرون منهم. فقال «إنَّ الذبائح ضرورية، لكنها لا تنفع البشر إلا إذا توافرت فيهم النية الصالحة». ولعله قصد بهذه النية، التوبة عن الخطية والعزم الوطني على السلوك حسب قوانين الفضيلة.

    ونظراً لانتشار الذبائح في الوثنية واليهودية معاً، ظن بعض الناس إنَّ اليهود نقلوا عادة تقديمها من الوثنيين الذين كانوا يختلطون بهم. لكن هذا الظن لا نصيب له من الصواب.

    6- أهمية سفك دم الذبائح في الحصول على الغفران

    تعتري بعض الناس دهشة عظيمة عندما يرون الأضاحي الكثيرة التي كانت ولا تزال تُقدَّم في معظم بقاع الأرض. لكن لا داعي للدهشة على الإطلاق، لأنه لما كان الصفح عن الخطية أثمن شيء لدى المؤمنين باللّه، ولما كانت الوسيلة الوحيدة للحصول على هذا الصفح هي الفدية، لذلك كان أمراً بديهياً أن يضحي هؤلاء المؤمنون بهذه الكمية الهائلة من الذبائح. ولزيادة الإِيضاح نتحدث عن النقاط الآتية:

    أ‌- أهمية سفك دم الذبائح للتكفير، في اليهودية والمسيحية:

    قال اللّه لموسى النبي: «لأَنَّ نَفْسَ ٱلْجَسَدِ هِيَ فِي ٱلدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى ٱلْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُم، لأَنَّ ٱلدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ ٱلنَّفْسِ»(لاويين 17: 1). وقال الرسول بولس للمسيحيين: «بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ»(عبرانيين 9: 22) وبما أنَّ دم الحيوان يجري في جميع أجزاء جسمه ويبعث الحياة إليها، وبما أنَّ الذي يقوم بهذه المهمة هو النفس، لذلك تكون نفس الحيوان في دمه، كما أعلن الكتاب المقدس.
    أما السبب في كون الدم هو الوسيلة الوحيدة للمغفرة أو الفداء، فيرجع إلى أنَّ حياة الحيوان هي في دمه. وبما أنه بسفك دمه تفارقه حياته، كان من البديهي أن يعتبر سفك الدم تعويضاً عن نفس الخاطئ، فينجو من القصاص الذي يستحقه، ويحصل على المغفرة التي يحتاج إليها.

    ب‌- عدم صلاحية القرابين غير الدموية للتكفير عن النفس:

    إذا رجعنا إلى الكتاب المقدس نرى أن اللّه رفض قربان قايين أخي هابيل لأنه لم يقدم ذبيحة دموية، بل قدم ثمراً من ثمار الأرض. فقد قال الوحي عن اللّه «إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ» (تكوين 4: 5).

    وهنا يسأل بعض الناس: «إذا كان الغفران يتوقّف على سفك الدم، فلماذا لم يرشد اللّه قايين، كما أرشد هابيل أخاه، إلى ضرورة تقديم ذبيحة دموية؟»وللرد على ذلك نقول: إنَّ اللّه أرشده كما أرشد أخاه تماماً، لكن قايين هو الذي شاء أن يقدم قرباناً حسب استحسانه، فاستحقَّ أن يلومه اللّه بالقول «إِنْ أَحْسَنْتَ (اختيار الذبيحة) أَفَلا رَفْعٌ؟»أو بالحري أَمَا كان يرتفع وجهك، وتنال القبول أمامي مثل أخيك (تكوين4: 7) - واللوم لا يُوَّجه إلا للشخص الذي يخالف وصية سبق تبليغها إليه.

    ويرجع السبب في قبول اللّه لهابيل إلى أن قربانه ينمّ عن الاعتماد على الفداء بالدم. وأنَّ السبب في رفضه لقايين، يرجع إلى أنَّ قربانه ينم عن الاعتماد على الاجتهاد الشخصي في القبول أمامه، لأن هذا الاجتهاد مهما كان شأنه، لا يستطيع أن يكفر عن الخطية. إذ أنَّ «أجرة الخطية هي موت»: موت فاعلها أو موت من ينوب عنه، وليس القيام بعمل من الأعمال التي ندعوها الصالحة أو النافعة.
    أما عن الدعوى بأن اللّه رضي عن هابيل لأنه كان تقياً، ورفض قايين لأنه كان شريراً، فنقول: إنَّ هابيل كان مولوداً بطبيعة تميل إلى الخطية مثل أخيه تماماً. ولا شك أنه كان يعملها مثله إن لم يكن بالفعل فبالفكر أو القول، فيرجع السبب في قبول اللّه لهابيل ورفضه لقايين إلى نوع القربان الذي قدمه كل منهما. وهذا هو الدليل على صدق قول الوحي عن هابيل إن اللّه شهد لقرابينه (وليس شهد له أو لأعماله) "الإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ ِللهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ. فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ! "(عبرانيين 11: 4).

    ج‌- تحريم شرب الدم:

    لما كان الدم هو الوسيلة التي عينها اللّه للغفران، حرم على البشر شربه. فقال لبني إسرائيل: «كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمِنَ ٱلْغُرَبَاءِ ٱلنَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَأْكلُ دَماً، أَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ ٱلنَّفْسِ ٱلآكِلَةِ ٱلدَّمَ وَأَقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا»(اللاويين 17: 10). كما قال لنوح وأولاده من قبل، عندما سمح لهم لأول مرة في التاريخ بأكل اللحم: «كُلُّ دَابَةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَاماً. كَٱلْعُشْبِ ٱلأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ ٱلْجَمِيعَ. غَيْرَ أَنَّ لَحْماً بِحَيَاتِهِ، دَمِهِ لا تَأْكُلُوهُ»(تكوين 9: 3 و 4). وبذلك نهى ليس عن شرب الدم فحسب، بل وأيضاً عن الحيوانات التي لم يُسفك دمها. لأنه قال في موضع آخر «وَلَحْمَ فَرِيسَةٍ فِي ٱلصَّحْرَاءِ لا تَأْكُلُوا»(خروج 22: 31). كما قال عن الكاهن في العهد القديم «مِيِّتَةً أَوْ فَرِيسَةً لا يَأْكُلْ» (اللاويين 22: 8 ) ولما جاءت المسيحية نهت أيضاً عن شرب الدم وأكل لحم الحيوان الذي لم يسفك دمه، فقد قال الرسُل للمؤمنين «أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ ٱلدَّمِ،وَٱلْمَخْنُوقِ»(أعمال 15: 29).

    7- تطّور الآراء من جهة الفداء بدم الذبائح

    لا تزال الذبائح الحيوانية تشغل إلى الآن مركزاً عظيماً بين كثير من الناس في بلاد متعددة، غير أن فكرة تقديمها لأجل الحصول على الغفران أخذت في التطّور بين رجال اللّه من عهد بعيد. ولكي نقف على الأسباب التي أدّت إلى هذا التطور نقول:

    أ‌- عدم كفاية الذبائح الحيوانية للفداء:

    بما أن الفدية التي تصلح للتكفير عن الإِنسان يجب أن تكون معادلة له في القيمة، حتى تكون كافية للتعويض عنه. وبما أنَّ نفس الإِنسان روحية خالدة وذات خواص أدبية وعقلية سامية، بينما نفس الحيوان فضلاً عن كونها دموية لا خلود لها، هي خالية من هذه الخواص، إذاً لا يمكن أن تكون في ذاتها كافية لفداء الإِنسان والتكفير عنه أمام عدالة اللّه.

    ب‌- أسباب استعمال الذبائح الحيوانية للفداء:

    يتساءل بعض الناس: إذا كانت الذبائح الحيوانية غير كافية في ذاتها للتكفير عن الإنسان، فلماذا أمر اللّه بتقديمها؟.
    وللرد على ذلك نقول: لم يكن الإنسان في العصر الأول يقدّر القيم الأخلاقية تقديراً صحيحاً، كما يشهد بذلك الكتاب المقدس وكتب التاريخ، فكان يتعذر عليه إدراك نتائج الخطية في نفسه، أو مقدار الإساءة التي يوجهها إلى اللّه بفعلها. لذلك كان من البديهي أن يبدأ اللّه وهو الحكيم العارف بطباع البشر وطرق تعليمهم وتهذيبهم، بإظهار خطورة الخطية ووخامة عواقبها بوسائل ملموسة تستطيع عقولهم البدائية فهمها وإدراكها. وذلك بتصوير الموت الذي هو النتيجة الحتمية للخطية بعمل يمكنهم رؤيته بعينهم وفهم مرماه بعقولهم، كما هي الحال في تعليمنا للأطفال، فإننا نقدم لهم الصور قبل الكلمات المعبِّرة عنها، لأنهم يستطيعون إدراك مدلول الصور قبل إدراك معاني الكلمات المذكورة. ولما كان الحيوان هو أقرب الكائنات إلى الإِنسان شعوراً بالراحة والألم، كما تظهر عليه بوضوح علامات الحياة والموت، كان من البديهي أن يعلن اللّه للخطاة ما يستحقونه من عذاب مصوّراً في ذبح حيوان وحرقه، ليدركوا أنه بسبب خطاياهم كان يجب أن يكونوا مكان هذا الحيوان، لكن اللّه من باب العطف عليهم سمح به كفارة عنهم. ولذلك كانوا يشعرون بشناعة الخطية، ويشكرون اللّه لأنه جعل لهم طريقاً للخلاص من قصاصها.

    ج - أسباب تطوّر الآراء من جهة الذبائح الحيوانية:

    لكن بارتقاء البشر أدبياً وروحياً، أخذوا يدركون نجاسة الخطية وتأثيرها الشنيع على نفوسهم، كما أخذوا يدركون فداحة الإساءة التي يوجّهونها إلى اللّه بارتكابها، فأدركوا أن الذبائح الحيوانية لا يمكن أن تكون في ذاتها هي الفدية التي قصدها اللّه للخلاص من عقوبة الخطية. وقد صادق اللّه على إدراكهم هذا فقال «اِسْمَعْ يَا شَعْبِي فَأَتَكَلَّمَ. يَا إِسْرَائِيلُ فَأَشْهَدَ عَلَيْكَ. اَللّٰهُ إِلٰهُكَ أَنَا لا عَلَى ذَبَائِحِكَ أُوَبِّخُكَ، فَإِنَّ مُحْرَقَاتِكَ هِيَ دَائِماً قُدَّامِي. لا آخُذُ مِنْ بَيْتِكَ ثَوْراً، وَلا مِنْ حَظَائِرِكَ أَعْتِدَةً. لأَنَّ لِي حَيَوَانَ ٱلْوَعْرِ (أي الغابة) وَٱلْبهَائِمَ عَلَى ٱلْجِبَالِ الألُوفِ... هَلْ آكُلُ لَحْمَ ٱلثِّيرَانِ أَوْ أَشْرَبُ دَمَ ٱلتُّيُوسِ؟ اِذْبَحْ لِلّٰهِ حَمْداً، وَأَوْفِ ٱلْعَلِيَّ نُذُورَكَ، وَ ٱدْعُنِي فِي يَوْمِ ٱلضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي» (مزمور 50: 7-15) ولذلك قال داود النبي: «لأَنَّكَ لا تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لا تَرْضَى»(مزمور 51: 16). وميخا النبي تساءل: «بِمَ أَتَقَّدَمُ إِلَى ٱلرَّبِّ وَأَنْحَنِي لِلإِلَهِ ٱلْعَلِيِّ؟ هَلْ أَتَقَدَّمُ بِمُحْرَقَاتٍ، بِعُجُولٍ أَبْنَاءِ سَنَةٍ؟ هَلْ يُسَرُّ ٱلرَّبُّ بِأُلُوفِ ٱلْكِبَاشِ، بِرَبَوَاتِ أَنْهَارِ زَيْتٍ؟ هَلْ أُعْطِي بِكْرِي عَنْ مَعْصِيَتِي، ثَمَرةَ جَسَدِي عَنْ خَطِيَّةِ نَفْسِي؟!»(ميخا 6: 6 ، 7).

    هذا هو ما انتهى إليه الأنبياء الذين كانوا يؤمنون باللّه ويعملون كل ما في وسعهم لينجوا من عقابه ويحصلوا على ثوابه، كما كانوا يكثرون من الصلوات والأصوام وأعمال الرحمة والإحسان وتقديم الذبائح والقرابين، ومع ذلك كانت خطاياهم على الرغم من قلتها أكثر وأشنع من أن يجدوا لها بهذه الوسائل غفراناً. لذلك قطعوا الأمل من جهة القبول أمام اللّه، فقال أيوب «لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا ِيَرْفَعْ (اللّه) عَنِّي عَصَاهُ وَلا يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ». وقال أيضاً: «فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ ٱلإِنْسَانُ عِنْدَ ٱللّٰهِ ؟»(أيوب 9: 33 و34 و1).

    كما قطعوا الأمل من وجود أي فدية عن نفوسهم. فقال داود النبي « ٱلأَخُ لَنْ يَفْدِيَ ٱلإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلا يُعْطِيَ ٱللّٰهَ كَفَّارَةً عَنْهُ. وَكَرِيمَةٌ هِيَ فِدْيَةُ نُفُوسِهِم، فَغَلِقَتْ إِلَى ٱلدَّهْرِ»(مزمور 49: 7 ، 8 ). أي أنَّ الإِنسان لا يستطيع أن يفدي أخاه الإِنسان مهما كانت علاقة المحبة التي بينهما، لأن الفدية الحقيقية ليست في متناول البشر على الإطلاق (وهذا ما سنراه في الجلسة القادمة والأخيرة). وقد صادق المسيح على اعتقادهم فقال «مَاذَا يَنْتَفِعُ ٱلإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ ٱلْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي ٱلإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟»(متى 16: 26).

    والحق أنه لا غرابة في استيلاء الحيرة على هؤلاء الأفاضل، وشعورهم بالعجز عن معرفة الفدية الحقيقية التي تصلح للتكفير عنهم، لأنهم لتأثرهم بقداسة اللّه تأثراً حقيقياً كانوا يرون الخطية كما هي بكل شناعتها وخطورتها. أما البعيدون عن اللّه فلا يستطيعون رؤية الخطية في هذه الصورة، فيظنون أنه من السهل الحصول على الغفران بواسطة أي عمل من الأعمال التي يطلقون عليها الأعمال الصالحة (كما في بعض الأديان والطوائف). لكن لو تطلعوا إلى ذواتهم في نور عدالة اللّه وقداسته اللتين لا حدّ لهما كما فعل هؤلاء الأفاضل، لاستطاعوا أن يدركوا عجزهم الكلي عن محو خطاياهم بكل أعمالهم الخيرية وممارساتهم الدينية، ولصرخ كل واحد منهم كما صرخ إشعياء النبي قديماً «وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ ٱلشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ ٱلشَّفَتَيْنِ!!»(إشعياء 6: 5)، ولتهيأوا تبعاً لذلك لمعرفة الطريق الذي أعلنه اللّه للخلاص من عقوبة الخطية ونتائجها الشنيعة، والذي سنتولى إيضاحه بشيء من التفصيل في الجلسة القادمة والأخيرة).

    كما أنه بالرجوع إلى الآيات الواردة في سفر إرميا 7: 21 - 22 ، نرى أن المراد بها ليس وجوب امتناع اليهود عن تقديم الذبائح، بل وجوب توبتهم للّه وإصلاح طرقهم أمامه، لأنهم كانوا يظلمون الغريب واليتيم والأرملة، كما كانوا يسفكون دماء الأبراء ويركضون وراء العبادة الوثنية، وبعد ذلك كانوا يتقدمون بذبائحهم إلى اللّه!! (إرميا 7: 1 – 15).

    الرب يبارك حياتكم.

    Admin

    المصدر: فلسفة الغفران ، عوض سمعان - الجزء الأول: لزوم كفارة المسيح.


    عدل سابقا من قبل Admin في السبت يونيو 05, 2010 5:28 am عدل 1 مرات
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 326
    تاريخ التسجيل : 23/03/2009
    العمر : 62

    تفرُّد اللّه بالقدرة على الفداء الحقيقي

    مُساهمة  Admin في الجمعة مايو 07, 2010 3:36 pm

    الجلسة السادسة <<< تفرُّد اللّه بالقدرة على الفداء الحقيقي >>>


    الشروط الواجب توافرها في الفادي، وإمكانية تحقيقها

    أولاً - الشروط الواجب توافرها في الفادي

    1. بما أنَّ الفدية يجب أن تكون على الأقل مساوية في قيمتها للشيء المطلوب فداؤه، وبما أنه لا يساوي الإِنسان إلا إنسان مثله لأنه ليس له نظير بين الكائنات يعادله ويساويه، لذلك فالفدية أو بالحري الفادي الذي يصلح للتكفير عن نفوسنا، يجب أن لا يكون حيواناً بل أن يكون على الأقل إنساناً.

    2. وبما أنَّ هذا الفادي سيكون فادياً ليس لإِنسان واحد بل لكل الناس، لتعذر وجود فادٍ لكل واحد من بلايين البشر الذين يعيشون في العالم، في كل العصور والبلاد، يجب أن تكون قيمته معادلة لكل هؤلاء الناس.

    3. وبما أنه لو كان الفادي من جنس يختلف عن جنسنا (على فرض وجود مثل هذا الجنس)، لما استطاع أن يكون نائباً عنا، لأن النائب يكون من جنس الذين ينوب عنهم، لذلك فإنه مع عظمته التي ذكرناها يجب أن يكون واحداً من جنسنا.

    4. وبما أنه لو كان الفادي خاطئاً مثلنا، لكان محروماً من اللّه وواقعاً تحت قضاء القصاص الأبدي نظيرنا، ولا يستطيع تبعاً لذلك أن ينقذ واحداً منا من هذا المصير المرعب، لأنه يكون هو نفسه محتاجاً إلى من ينقذه منه، لذلك فالفادي مع وجوب كونه واحداً من جنسنا، يجب أن يكون خالياً من الخطية خلواً تاماً.

    5. وبما أنَّ خلوه من الخطية وإن كان أمراً سامياً، لا يقوم دليلاً على كماله، وبالتالي على أهليته ليكون فادياً - فآدم مثلاً رغم أنه خُلق خالياً من الخطية غير أنه لم يكن معصوماً منها، لأنه عندما عاش على الأرض سقط فيها، لذلك لا يكفي أن يكون الفادي خالياً من الخطية، بل يجب أن يثبت بالدليل العملي أنه معصوم منها أيضاً.

    6. فضلاً عن ذلك، بما أنه لو كان مخلوقاً، لكان بجملته ملكاً للّه. وشخص ليس ملكاً لنفسه بل ملكاً للّه، لا يحقّ له تقديم نفسه فدية للّه عن إنسان ما، إذاً فالفادي يجب أن يكون أيضاً غير مخلوق ليكون من حقه أن يقدم نفسه كفارة.

    7. بما أنه لا يمكن الحصول على الغفران والتمتع بالوجود في حضرة اللّه إلا إذا تمّ أولاً إيفاء مطالب عدالته وقداسته التي لا حدَّ لها، إذاً فالفادي يجب أن يكون أيضاً ذا مكانة لا حدَّ لسموها حتى يستطيع إيفاء مطالب الأولى بتحمل كل قصاص الخطية عوضاً عنا، وإيفاء مطالب الثانية بإمدادنا بحياة روحية ترقى بنا إلى درجة التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية.
    فترى من يكون هذا الفادي العظيم القدر، الخالي من الخطية والمعصوم منها، غير المخلوق في ذاته وغير المحدود في مكانته، حتى يستطيع متطوعاً أن يفي مطالب عدالة اللّه التي لا حدَّ لها عوضاً عنا، ويبعث فينا أيضاً حياة روحية ترقى بنا لدرجة التوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية، وليس من يتصف بهذه الصفات أو يستطيع القيام بهذه الأعمال سوى اللّه؟ فهل هذا الفادي بجانب إنسانيته الممتازة يجب أن يكون هو اللّه؟!

    حقاً إنه لسؤال خطير، لكن جوابه واضح كل الوضوح، ولا مفر منه على الإِطلاق.

    ثانياً: إمكانية تحقيق الشروط السابقة

    إن اتخاذ اللّه ناسوتاً من جنسنا ليكون فيه فادياً لنا، فضلاً عن أنه أمر يمكنه القيام به، فإنه باتخاذه هذا الناسوت :

    (أ) لا ينحصر في مكان ما. لأن اللاهوت لا يتحيز بحيز، إذ أنَّ وجوده في مكان (حسب تقديراتنا البشرية) لا يمنع وجوده في مكان آخر في نفس الوقت.

    (ب) إنه باتخاذه هذا الناسوت، لا يفقد شيئاً من مجده الذاتي، لأن هذا المجد لا يتعرض للزيادة أو النقصان على الإطلاق>

    (ج) إنَّ اتخاذه هذا الناسوت أمر تتطلبه رغبته في أن تكون لنا جميعاً علاقة حقيقية معه، إذ لا يمكن أن تقوم لهذه العلاقة قائمة إذا ظل بعيداً عن مداركنا، وظللنا نحن بعيدين عن التوالف معه.

    «الناسوت» مصدر من «الإنسان»، يُراد به الطبيعة البشرية بما تحويه من جسد ونفس وروح. أما كلمة «اللاهوت» فهي على وزن الناسوت والجبروت، يُراد بها جوهر اللّه، وجوهر اللّه هو عين ذاته، لأنه لا تركيب فيه على الإطلاق، أما الألوهية فهي مصدرمنسوب إليه تعالى، مثل الفروسية المنسوبة إلى الفارس.

    والشرط الخاص بخلو هذا الناسوت من أي ميل للخطية يمكن تحقيقه، لأن اللّه عندما يتخذ لنفسه ناسوتاً لا يحتاج الأمر في تكونه إلى بذرة حياة من رجل ما، لأنه هو الحياة نفسها. وبما أن الطبيعة التي تميل إلى الخطية لا تنتقل إلى الإنسان إلا بواسطة التناسل الطبيعي، إذاً من البديهي أن يكون هذا الناسوت خالياً من الطبيعة المذكورة، ويكون أيضاً بسبب كماله الذاتي قادراً على أن يكون معصوماً من السقوط في الخطية.

    ويمكن تحقيق الشرط الخاص بوجوب مساواة نفسه لنفوسنا في القيمة، إذا عرفنا أن ناسوت اللّه فضلاً عن كونه مقترناً به كل الاقتران، الأمر الذي يجعل قيمته لا حد لها على الإطلاق، فإن هذا الناسوت قدوس كل القداسة، والقدوس أعظم من كل الخطاة بما لا يقاس.
    والشرط الخاص بوجوب امتلاك الفادي لناسوته (أي بكونه غير مخلوق بواسطة كائن ما) من البديهي أن يتوافر فيه، لأن هذا الفادي هو اللّه، واللّه هو الخالق لكل الأشياء ومالكها.

    والشرط الخاص بوجوب احتمال قصاص الخطيئة عوضاً عنا إيفاء لمطالب العدالة الإِلهية التي لا حد لها، من البديهي أن يتوافر فيه أيضاً، لأنه بوصفه هو اللّه، يحيط بمطالب هذه العدالة، ويستطيع أيضاً تحقيقها في الناسوت الذي يتخذه.
    والشرط الخاص بوجوب استطاعته أن يرقى بنا في حالة التوافق مع اللّه، من البديهي أن يتوافر فيه كذلك، لأنه في ذاته هو اللّه، واللّه هو الذي يستطيع القيام بهذه المهمة.

    مما تقدم نرى أن الشروط الواجب توافرها في الفادي ليست معقولة فحسب، بل ويمكن تحقيقها بوسيلة معقولة أيضاً.

    2- أدلة كتابية على تفرُّد اللّه بمهمة الفداء

    أولاً - شهادة التوراة

    قال موسى النبي للّه: «ترشد برأفتك الشعب الذي فديته» (خروج 15: 13). ولم يكن المقصود بفداء اللّه لبعض البشر في العهد القديم، فداء أرواحهم، بقدر ما كان يُراد به فداء أجسادهم، أي إنقاذهم من الموت بوسيلة ما. أما فداء اللّه لنا، بمعنى احتماله في نفسه كل خطايانا لإِنقاذنا من القصاص الأبدي الذي نستحقه بسببها فلم يُعلن (كما سيتضح فيما يلي من هذا الباب) إلا في المسيحية.

    ولما كان قصد اللّه منذ الأزل أن يقوم بهذه المهمة، ترد الأفعال الخاصة بها في التوراة «فديتَه» في الزمن الماضي، كما يتضح من خروج 15: 13 ، ومما سنقتبسه بعد ذلك. أما إذا وردت في صيغة المضارع، فيكون المُراد بها التحدث عن الفداء أو التكفير كحقيقة من الحقائق الإلهية الثابتة، لأن التعبير عن هذه الحقائق يُصاغ في الفعل المضارع. وقال موسى أيضاً للّه: «اِغْفِرْ لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ ٱلَّذِي فَدَيْتَ يَا رَبُّ» (تثنية 21: 8 ) ومن هذه الآية يتضح لنا أنه لا غفران إلا بعد الفداء - وهذا ما يتفق مع الحق كل الاتفاق.
    وقال حزقيا الملك التقي «ٱلرَّبُّ ٱلصَّالِحُ يُكَفِّرُ عَنْ كُلِّ مَنْ هَيَّأَ قَلْبَهُ لِطَلَبِ ٱللّٰهِ» (2 أيام 30: 18 ، 19)
    وقال أيوب عن اللّه «فَدَى نَفْسِي مِنَ ٱلْعُبُورِ إِلَى ٱلْحُفْرَةِ، فَتَرَى حَيَاتِيَ ٱلنُّورَ»(أيوب 33: 28).
    وقال داود النبي «ٱلرَّبُّ فَادِي نُفُوسِ عَبِيدِهِ»(مزمور 34: 22). وقال أيضاً «إِنَّمَا ٱللّٰهُ يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ ٱلْهَاوِيَةِ» (مزمور 49: 15).
    كما خاطب نفسه قائلاً عن اللّه: «ٱلَّذِي يَفْدِي مِنَ ٱلْحُفْرَةِ حَيَاتَكِ. ٱلَّذِي يُكَلِّلُكِ بِٱلرَّحْمَةِ وَ ٱلرَّأْفَةِ» (مزمور 103: 4)، لأنه «إِلٰهُ خَلاصِي» (مزمور 25: 5). ولذلك خاطب اللّه بالقول «مَعَاصِينَا أَنْتَ تُكَفِّرُ عَنْهَا»(مزمور 65: 3) والخلاص المقصود هنا هو الخلاص من الضيقات والآلام، كما يراد به الخلاص من الخطية ونتائجها.

    وقال إشعياء النبي «فَادِينَا رَبُّ ٱلْجُنُودِ ٱسْمُهُ» (إشعياء 47: 4) وقال أيضاً: «ٱلرَّبَّ قَدْ فَدَى يَعْقُوبَ» (إشعياء 44: 23). وقال اللّه على لسانه «إِلَهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سِوَايَ» (إشعياء:45: 21) والبار هو العادل، والمخلِّص هو الرحيم، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، إلا إذا قبل المخلّص تحمُّل نتائج خطايانا عوضاً عنا تحقيقاً للعدالة. وإلا كان الخلاص رحمة لا سند لها من العدالة، ومن ثمّ لا تكون ثابتة أو راسخة. كما قال للشعب الخاطئ «اِرْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ»(إشعياء 44: 22).

    وقال زكريا النبي عن اللّه «وَيُخَلِّصُهُمُ ٱلرَّبُّ إِلَهُهُمْ» (زكريا 9: 16). وليس هناك إشكال في هذه الآية، إذ يُقصد «بالرب الإله هنا» المسيح من الناحية الجوهرية (كما سيتضح فيما يلي) وبذلك يكون المعنى أن اللّه يخلّص البشر بواسطة المسيح. وقال اللّه على لسانه «أَجْمَعُهُمْ لأَنِّي قَدْ فَدَيْتُهُمْ»(زكريا 10: 8 ).

    ثانياً: شهادة الإنجيل

    قالت العذراء مريم عن اللّه «ٱللّٰهِ مُخَلِّصِي» (لوقا 1: 47). قاصدة بذلك أنه مخلِّصها من الخطية، لأنه لم تكن لديها وقتئذ مشكلة دنيوية ترجو الخلاص منها.
    وقال زكريا عندما ألهمه اللّه أنَّ ابنه يوحنا سيُعدّ الطريق أمام المسيح «مُبَارَكٌ ٱلرَّبُّ لأَنَّهُ ٱفْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ»(لوقا 1: 68).
    وقال بولس الرسول عن اللّه إنه يفدينا من كل إثم (تيطس 2: 14)، وإنه افتدانا من لعنة الناموس (غلاطية 3: 13) وإنه يكفّر الخطايا (عبرانيين2: 17) وإنه خلصنا (من خطايانا) ودعانا دعوة مقدسة (2 تيموثاوس 1: 9). وإنه بمقتضى رحمته خلصنا من خطايانا (تيطس 3: 5).
    وقال بطرس الرسول إنَّ «ٱلَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا» (1 بطرس 3: 21) و «أَنَّكُمُ ٱفْتُدِيتُمْ لا بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ ٱلْبَاطلَةِ ٱلَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ ٱلآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلا عَيْبٍ وَلا دَنَسٍ، دَمِ ٱلْمَسِيحِ، مَعْرُوفاً سَابِقاً قَبْلَ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ» (1بطرس 1: 18 – 20).
    وقال يوحنا الرسول عن اللّه إنه «يُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ»(1 يوحنا 1: 9) - وهذا يتضمَّن الخلاص منه. وقال عن المسيح إنه «كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ ٱلْعَالَمِ أَيْضاً» (1 يوحنا 2: 2).
    (6) وقال يهوذا عن اللّه إنه «ٱلإِلٰهُ ٱلْحَكِيمُ ٱلْوَحِيدُ مُخَلِّصُنَا»(آية 25).

    والفعل «كفر»(بوجود فتحة على الفاء) معناه في اللغتين العبرية والعربية «ستر». فنحن نقول: كفر الفلاح الحبوب، أي «سترها» بالتراب. والفعل «كفَّر»، بوجود شدة على الفاء، يراد به المبالغة في الستر مثل الفعلين: فتح وقفل. أما إذا استعمل حرف الجر «عن»بعد كفّر فيكون المراد به تقديم التعويض اللازم عن الخطية أو عن إنسان مذنب. فنحن نقول: «كفَّر فلان عن ذنوبه»، أي قدَّم التعويض اللازم عنها حتى تُرفع عنه عقوبتها. ونقول «كفَّر فلان عن المذنبين»أي قدّم التعويض اللازم عنهم حتى لا يلحقهم أذى من جراء ذنوبهم (لاويين 5: 5 - 19 ، 16: 30 – 34).

    والتكفير وإن لم يكن هو ذات الغفران، لكنه مقترن به، فلا غفران إلا ويسبقه تكفير (أياً كان نوع هذا التكفير)، ولا تكفير إلا ويتبعه غفران. ولما كان الإنسان لا يستطيع التكفير عن خطاياه بالدرجة التي تفي مطالب عدالة اللّه التي لا حد لها، كان اللّه وحده هو الذي يستطيع القيام بهذه المهمة، فإن تكفير اللّه بنفسه عن خطايانا بمعنى احتمال نتائجها في نفسه (على نحوٍ ما) عوضاً عنا قبل أن يغفرها لنا، أمر لا يجوز الإختلاف بشأنه على الإطلاق. ولا غرابة في ذلك، فنحن نرى أنه إذا أساء إلى سيده، فإن لسيده الحق أن يعاقبه، أو يعفو عنه. فإذا أبت نفسه أن تتحمل إِساءة العبد، عاقبه من أجلها. لكن إذا رضيت نفسه أن تتحمل هذه الإِساءة عطفاً وشفقة على العبد، فإنه يعفو عنه. وفي هذه الحالة يكون قد فداه أو كفَّر عن إساءته، لأنه حمل الألم في نفسه عوضاً عن أن يصبّه على رأسه ناراً حامية. وكل ما في الأمر أن اللّه في عفوه عنا يتحمل إساءتنا في نفسه، ليس فقط بسبب العطف علينا، بل أيضاً لإِيفاء مطالب عدالته، لأن هذه ليست مجرد شريعة لديه كما هي الحال معنا، بل إنها صفة من الصفات التي تتميز بها ذاته، من الضروري إيفاء مطالبها بأي حال من الأحوال.

    3- ظهور اللّه في ناسوت للقيام بالفداء

    ليس هناك مؤمن في الوجود إلا ويتوق لمعرفة الشخص (أو بالحري الناسوت) الذي ظهر اللّه فيه للقيام بالفداء. فمن هو هذا الشخص يا ترى؟
    الجواب: إذا تصفحنا حياة الأشخاص الذين ظهروا في العالم نرى أن هذا الشخص هو المسيح، لأنه هو الذي توافرت فيه جميع الشروط التي ذكرناها في الجلسة الأولى، كما يتضح فيما يلي:
    فهو لم يرث الخطية في طبيعته الإنسانية، لأنه وُلد بدون الأب المورّث لها، إذ كانت ولادته من العذراء بقوة الروح القدس (لوقا 1: 35).

    وعاش بقوته الذاتية دون خطية، مع أنه كانت له كل الإحساسات الطبيعية مثل الشعور بالجوع والعطش والألم والحاجة إلى النوم (متى 4: 2 ، يوحنا 4: 7 ، 18: 23 ، لوقا 8: 23)، وغير ذلك من الإحساسات التي كانت كافية (لولا كماله الذاتي) بأن تميله إلى الانحراف عن حق اللّه، ولكنه لم ينحرف عنه على الإطلاق. ولذلك كان أسمى من آدم بما لا يقاس. فقد خُلق آدم خالياً من الخطية، غير أنه مال إليها وسقط فيها، على النقيض من المسيح تماماً.

    نفس المسيح توازي نفوس البشر جميعاً، بل وتفضل عنها قيمة وقدراً. لأنه هو الكامل، أما هم فبسبب خطاياهم ناقصون. وإن اجتمع بعضهم إلى البعض الآخر، فإن هذا لا يقلل من نقصهم، بل يزيده نقصاً.
    المسيح (من الناحية الناسوتية) إنسان حقيقي من جنسنا، فجسده وإن كان خالياً من الخطية، غير أنه كان جسداً مادياً مثل أجسادنا. فقد قال الوحي: «فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ ٱلأَوْلادُ فِي ٱللَّحْمِ وَ ٱلدَّمِ ٱشتَرَكَ هُوَ (أي المسيح) أَيْضاً كَذٰلِكَ فِيهِمَا» (عبرانيين 2: 14). كما أنه لما ظن تلاميذه بعد قيامته من بين الأموات أنه روح، قال لهم: «اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي وَٱنْظُرُوا، فَإِنَّ ٱلرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي» (لوقا 24: 26-39).

    ورغم أنه كان إنساناً حقيقياً، كانت نفسه ملكاً له، فقد قال عنها «لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا (أي أسلِّمها) أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا (أي أستردّها) أَيْضاً» (يوحنا 10: 18).
    وقد برهن عملياً على صدق شهادته هذه، إذ أنه بعدما قدم نفسه كفارة عن البشر وأسلم روحه من أجلهم، استردها ثانية وقام من بين الأموات، كما ذكرنا بالتفصيل في كتاب «قيامة المسيح والأدلة على صدقها».

    وكان في إمكانه أن يبعث حياة روحية في البشر، ترقى بهم فوق تصورهم الذاتي وتجعلهم أهلاً للتوافق مع اللّه في صفاته الأدبية السامية إلى الأبد. فقد قال عن رعيته: «وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى ٱلأَبَدِ»(يوحنا 10: 28).
    وقد اختبر المؤمنون به هذه الحياة عملياً في نفوسهم، فقد قال أحدهم: «لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَ ٱلْمَوْتِ»(رومية 8: 2).

    فضلاً عما تقدم فقد كان من الناحية الباطنية هو ذات اللّه، فاستطاع أن يكفّر عن البشر جميعاً تكفيراً يفي مطالب عدالته التي لا حدّ لها، كما يتضح من الباب التالي.
    إذا كان الأمر كذلك، فالمسيح هو أيضاً الشفيع أو المحامي الذي أشرنا إليه في آخر الباب الثاني، قال عنه الرسول يوحنا للمؤمنين الحقيقيين«أكْتُبُ إِلَيْكُمْ هٰذَا لِكَيْ لا تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ ٱلآبِ، يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا.لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ ٱلْعَالَمِ أَيْضاً» (1 يوحنا 2: 1 -2).

    4- شخصية المسيح

    قبل التحدُّث عن شخصية المسيح، نوجه أذهان القراء إلى أننا نحن المسيحيين نؤمن أنه لا إله إلا الله، وأنه لا تركيب فيه على الإطلاق. فقد قال على لسان إشعياء النبي «أَنَا ٱلأَّوَلُ وَأَنَا ٱلآخِرُ وَلا إِلَه غَيْرِي»(44 :6). وقال الوحي عنه إنه «روح»(يوحنا 4: 24)، والروح لا تركيب فيه بحال. كما نؤمن أنه ذات أي ليس مجرد عقيدة في الذهن، أو قوة تحرك الكون. وذاته وإن كانت لا يحدها زمان أو مكان، تتصف بالصفات اللائقة بكماله، مثل السمع والبصر والكلام والعلم والإرادة والقدوة والعدالة والقداسة والمحبة والرحمة، دون أن تكون له أعضاء ما.

    5- الأدلة الكتابية على شخصية المسيح

    شهادته عن ربوبيته وبنوته لله ووحدته الجوهرية مع الآب وإعلانه له:
    فقد قال المسيح إنه الرب (متى 21: 3) وإنه رب داود (متى 22: 42-45)، ورب الرسل (متى 24: 42)، كما قال إنه ابن الله (يوحنا 9: 35-38 ، 10: 36)، وإن الله أبوه بمعنى أنه معادل له، أو بالحري واحد معه (يوحنا 5: 18) وإنه والآب واحد (يوحنا 10: 30 ، 17: 22)، وإنه في الآب والآب فيه. وإن كل من رآه فقد رأى الآب (يوحنا 14: 9 و10) وإنه يجب على جميع الناس أن يكرموه كما يكرمون الآب (يوحنا 5: 23).

    شهادته عن أزليته وأبديته:

    فقد قال إنَّ له مجداً خاصاً قبل إنشاء العالم (يوحنا 17: 5) وإنه قبلما وُلد إبراهيم على الأرض، هو كائن أو بالحري كائن بذاته (يوحنا 8: 58)، وإنه الألف والياء. البداية والنهاية. والأول والآخِر (رؤيا 1: 8 و7).

    شهادته عن عدم تحيّزه بزمان أو مكان:

    فقد أعلن أثناء وجوده على الأرض أنه وقتئذ في السماء أيضاً (يوحنا 3: 13) وأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه على الأرض، يكون في وسطهم (متى 18: 20) وأنه يظل مع تلاميذه، والمؤمنين الحقيقيين به،إلى انقضاء الدهر (متى 28: 20).

    شهادته عن كونه الحياة والمحيي:

    فقد شهد أنه الحياة (يوحنا 11: 25) وأنه يحيي من يشاء (يوحنا 5: 21) وأنه أتى لتكون لنا حياة وحياة أفضل (يوحنا 10: 10) وأن من يؤمن به إيماناً حقيقياً تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16).

    شهادته عن سلطانه في غفران الخطايا وإدخال التائبين إلى الفردوس:

    فقال للمفلوج «مغفورة لك خطاياك» (لوقا 5: 20)، وقال عن المرأة الخاطئة «قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا ٱلْكَثِيرَةُ»(لوقا 7: 47) وقال للص الذي التجأ إليه نادماً عما فعله من شر «اليوم تكون معي في الفردوس»(لوقا 23: 43).

    شهادته عن سلطانه في قبول السجود:

    فقد سجد له المجوس وهو بعد طفل صغير (متى 2: 1-11) وسجد له الأبرص (متى 8: 2) والأعمى (يوحنا 9: 39)، ورئيس المجمع (مرقس 5: 22) والكنعانية (متى 15: 25) وبطرس الرسول ( لوقا 5: 8 ) وكل الذين كانوا في السفينة (متى 14: 33) وسجد له الرسل جميعاً (متى 28: 17).

    شهادته عن محاسبته للناس وقضائه على الشيطان:

    فقد قال إنه متى جاء في مجده «وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ ٱلشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ ٱلرَّاعِي ٱلْخِرَافَ مِنَ ٱلْجِداءِ، فَيُقِيمُ ٱلْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَٱلْجِدَاءَ عَنِ ٱلْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ ٱلْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا ٱلْمَلَكُوتَ ٱلْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ... ثُمّ يَقُولُ أَيْضاً لِلَّذِينَ عَنِ ٱلْيَسَارِ: ٱذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاعِينُ إِلَى ٱلنَّارِ ٱلأَبَدِيَّةِ» (متى 25: 31-46) كما أعلن أن الشيطان سقط أمامه كما يسقط البرق من السماء (لوقا 10: 18).

    أخيرا نقول:

    (أ) لو كان الله قد ظهر لنا في مجده الخاص ليعلن لنا ذاته ويقربنا إليه، لما استطاع واحد منا أن يقف في حضرته، بل لسقط ميتاً في الحال أمامه فقد قال لموسى «الإنسان لا يراني ويعيش»(خروج 33: 20)، وبما أنَّ الله لا يريد أن يرعبنا، بل يريد أن ندنو منه حباً فيه وشوقاً إليه، فكان من البديهي أن يظهر لنا في ناسوت مثل ناسوتنا. وكل ما في الأمر يكون هذا الناسوت خالياً من الخطية، ليكون متوافقاً مع قداسته المطلقة.

    (ب) إنّ الله بظهوره في المسيح لم يتحيّز بحيّز بل ظل كما هو المنزَّه عن الزمان والمكان. وقد أشار المسيح من جهة لاهوته إلى هذه الحقيقة، فقال عندما كان بالجسد على الأرض إنه كان في نفس هذا الوقت، في السماء عينها (يوحنا 3: 13).

    (ج) كما أنه بظهوره في المسيح ظل هو الله بكل خواصه. كما ظل ناسوت المسيح هو الناسوت بكل خواصه، لأنه لم يحدث بين اللاهوت وبين الناسوت اختلاط أو امتزاج يؤدي إلى أي تغيير في أيهما.
    وهكذا فقد ظهر من خلال حياة المسيح الناسوتية مجد أدبي لا يقل في شيء عن ذاك الذي ينتظر ظهوره من الله نفسه، فآمن الأتقياء من البشر أنه «ابن الله»أو «الله الظاهر في الجسد».

    الرب يبارك حياتكم.

    Admin

    المصدر: فلسفة الغفران ، عوض سمعان - الجزء الأول: لزوم كفارة المسيح.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 24, 2017 10:52 pm